تخطي إلى المحتوى الرئيسي

توشيح التفسير في قواعد التفسير والتأويل — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩
الفصحاء من الأنام . الثامنة : قوله تعالى :
تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ
« 1 » . قد يسأل عن السر في دعاء اللّه عليه مع عدم تحقق مؤداه فان دعاء اللّه الملك العلام لا يرد في أي مقام بل يتحقق بلا تراخ وتماد في الأيام إذ المراد بدعاء اللّه عليه ترتب غاية الدعاء عليه وهو حصول مفاد الدعاء وما هو منه المقصد والمرام وأما المبادئ فتترك في أوصاف اللّه إذ لا تتصور المبادئ منه تعالى كالرحمة ونحوها على خلاف أوصاف الأنام مع أن ذلك الدعاء لم يتحقق بالفعل بلا كلام والجواب عنه بوجوه : الأول : انه تعالى لم يرد قطع يديه بالفعل والا لتحقق فعلا بالتمام لقوله تعالى
إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ
« 2 » فعلم أنه أراد وقتا خاصا وزمانا معينا مجهولا للأنام وهو آخر عمره أو البرزخ أو الآخرة . الثاني : ان المراد من الآية ليس هو قطع اليد على متبادر افهام العوام بل هلاك نفسه فان قطع اليدين معبر في كلام العرب العرباء عن تباب النفس وهلاكها بلا كلام إذ قطع اليدين مساوق للموت عند أرباب الافهام فكما ان الميت لا يقدر على شيء فكذا مقطوع اليدين من الأنام فهو أدل على الهلاك من تب أبو لهب بلا كلام بل هو أبلغ لوجود الكناية في المقام . لا يقال لم يقع حين نزول السورة الهلاك الذي هو المرام . لأنا نقول لم يرد اللّه الهلاك فعلا حسبما قرر سابقا آنفا والا لوقع بلا كلام أو المراد هلاكه بعدم الايمان والاسلام ولذا ذهب بعض المفسرين من الاعلام ان يدا زائدة مقحمة لتأكيد المرام وانما المرام والمراد تب أبو لهب ولذا قالوا إن قوله ( تب ) أخيرا تأكيد لما تقدم من المرام أي يفيد فائدته فان ضمير تب لا يرجع
هامش
( 1 ) سورة المسد ( 111 ) : 1 . ( 2 ) سورة النحل ( 16 ) : 40 .