وكانت العبادة لا يليق بها الغائب وانما يستحقها من هو في مقام الحضور كما حكى خالق الظلمة والنور عن الخليل الجليل النبيل فلما أفلت قال لا أحب الآفلين .
لا جرم عبر سبحانه عن الحمد واظهار صفة الكمال بطريق الغياب وعن العبادة على نحو الخطاب اعطاء لكل منهما ما يليق به من النسق المستطاب .
العاشر : ان العابد لما أراد ان يمزج عبادته الناقصة المعيبة بعبادات أكامل العابدين من الأنبياء والأولياء المقربين ويعرض الكل دفعة واحدة على باب أجود الأجودين عسى أن يصير الناقص مقبولا في البين اتى بالمتكلم مع الغير ليتدرج عبادته في عبادة الزاهدين فلا جرم ساق الكلام على النمط اللائق بحال الكاملين والأسلوب المرغوب المنسوب إلى المقربين وقال :
( إِيَّاكَ نَعْبُدُ )
فان مقامهم مقام الخطاب وعين اليقين مع حضرة رب العالمين لارتقائهم من عوالم الغيبة إلى فيافي الحضور والشهود بالنسبة إلى مالك يوم الدين ولو قال : ( إياه نعبد ) لكان كالازراء بشأنهم والاغضاء عن رفعة مكانهم بالجزم واليقين .
الحادي عشر : انه قد تكرر في السنة المشهور ما ورد من المأثور : من تشبه بقوم فهو منهم . فالعابد لما رام التشبه المذكور سلك مسالك القوم في الذكر والفعل ثم مزج عبادته بعبادتهم وأراد أن يمتزج هو أيضا بهم ويحذو حذوهم وينخرط في سلكهم فتشبه بهم وتكلم بلسانهم وساق كلامه على طبق مساقهم عسى أن يصير بمقتضى الخبر محسوبا في عدادهم مندرجا في سياقهم .
الثاني عشر : ان الحمد لما كان عبارة عن اظهار الصفات الكمالية والثناء على الجميل فيكون المخاطب به غير اللّه الملك الجليل إذ لا معنى لاظهار صفاته العليا عليه جل شأنه فالمناسب له طريق الغيبة بلا قال ولا قيل واما العبادة والاستعانة فلا وجه لاظهارها على الغير على نحو التبجيل بل ينبغي كتمانها عن غير المعبود والمستعان وعدم اظهارها لاحد سوى الملك الجليل ليكون أقرب إلى الاخلاص