وإصعاد الثقيل أمر لا يقبله القصر الجليل لان الثقيل إلى المركز يميل فلا بد لخلاف الطبع الذليل من قادر قاهر قدير يقهر الطبع الضئيل ويبطل الخاصية بالتذليل ويصعد ما من شأنه الهبوط والتنزيل وكذا الحكم في اجتماع القطرات بعد تفرقها وتسييرها بالرياح الهابة وانزالها في مظان الحاجة بالتحويل وإلى الأرض الجرز لغاية التكميل وكل ذلك مع تحقق المعاد دليل وأي دليل .
والاستدلال بالثالث : ان النار للطافتها صاعدة بطبعها بلا عثار والشجرة للكثافة هابطة إلى أن يحصل له حول المركز القرار وأيضا النار لطيفة نورانية في الانظار والشجرة كثيفة ظلمانية بلا غبار ، وهي تعد من اليابس الحار ، وتلك في البرودة والرطوبة لها المدار . فإذا أمسك القادر المختار في داخل الرطبة من الأشجار تلك الأجزاء النورانية من النار ، فقد جمع بين هذه الأشياء المتنافرة في الانظار فإذا لم يعجز عن ذلك فكيف عن تركيب أجزاء الحيوانات وتاليفها في دار القرار ، وقد ذكر ذلك في سورة يس :
الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً
« 1 » .
ورابعها : ان اللّه تعالى أثبت حقية المعاد في التذكار ، مرتبا على ذكر مبدأ الخلقة وهو من باب واسع لأهل الاستبصار والسر في ذلك ما حققه غير واحد من أرباب الانظار ، من أن سلسلة ترتيب الأشياء بداية كسلسلة ترتيبها نهاية في الاعتبار فبازاء كل مرتبة من مراتب إحداهما مرتبة نظرية من الأخرى على التكافؤ والتعاكس بلا غبار إذ الوجود عند العرفاء كله كدائرة تنعطف على نفسه في البصيرة والابصار ويدور على أصله فالدائرة في الوجود عليها المدار ، فمن احدى النشأتين تعرف النشأة الأخرى بلا عثار .
وقد ذكر اللّه الملك الجبار هذا القسم من الاستبصار تنبيها للأخيار في مواضع
هامش
( 1 ) سورة يس ( 36 ) : 79 .