تخطي إلى المحتوى الرئيسي

توشيح التفسير في قواعد التفسير والتأويل — صفحة 126

مساهمون:

ص١٢٦
هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ
« 1 » ، هذا الكلام متعدد المرام : الأول : ان الانسان خلقناه من نطفة متفرقة في أبدان الأنام فجمعها اللّه تعالى فأنزلها في الارحام فكيف فانى وهذا الانسان لمخاصمة الملك العلام حتى يستبعد مقامات يوم القيام ؟ الثاني : ان الانسان مع كونه من نطفة نذرة قذرة كيف يتأتى له المخاصمة مع خالق الأنام ، فالفاء تفريع وتقريع مفيد للتوبيخ والتشنيع يعني ان ذلك الخصومة من أعظم الآثام . ثم قال :
وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ
« 2 » . ذكر أولا مخاصمة الانسان بمجمل من الكلام ثم رده بأحسن بيان قبل ذكر تفصيل المثل بقوله
( وَنَسِيَ خَلْقَهُ )
أي لم يكن الانسان من شيء فخلقه اللّه تعالى والعود أهون فانظر إلى غاية ملاحة هذا الكلام ، الفائق على مقال الأنام حيث أفاد المرام من نقل الخصام مع النقض والابرام بعبارة رشيقة وثيقة بديعة لم يسمع مثلها على الدوام وإلى هنا ذكر دليلين في المقام ، أحدهما انزال المني في الارحام ، وثانيهما أهونية العود من البدو بلا كلام . ثم فصل هذا الدليل الثاني بقوله :
قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ
« 3 » . رفع ودفع وقمع بهذا الكلام شبهة الاكل والمأكول المستطردة في كتب الاعلام والمتداولة في ألسنة الخواص والعوام ، بحيث يرفع الشك في المعاد بسبب تفرق الاجزاء بمر الليالي وكر الأيام ، فبقوله
( وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ )
دفع تلك الأوهام ، يعني ان اللّه العليم العلام ، عالم بالاجزاء فيمنع طبيعة الكافر لان يجعل الأجزاء الأصلية المنوية من المؤمن جزءا أصليا للكافر الظالم فيجمع
هامش
( 1 ) سورة يس ( 36 ) : 77 . ( 2 ) سورة يس ( 36 ) : 78 . ( 3 ) سورة يس ( 36 ) : 78 .