الموقوف الثامن :
اعلم أن المهرة الحذقة من صناديد علم الكلام والجماهير من جهابذة الاعلام ذكروا لوجوب معرفة الملك العلام برهانين عقليين مشتهرين عند الأنام :
الأول : قاعدة دفع الضرر ، بيانها على النحو المقرر ان الضرر بأي نحو تصور محتملة وموهومة ومظنونة لازم التحرز بالعقل المعتبر فتقول عدم المعرفة والنظر يحتمل العذاب والضرر والمعرفة خلو عن ذلك الفساد المحرر بلا ريب وخطل وخطر ودفع الضرر ولو كان موهوما محترز عنه بالعقل الجازم والنظر الحازم .
الثاني : قاعدة شكر المنعم ، بيانها : ان عندنا نعما عظاما فلا بد عقلا من شكر من أنعم انعاما وذلك لا يكون الا بعد ان نعرف المنعم عرفانا فالنظر والمعرفة واجبان وقد أومأنا إلى تفصيل هذا الدليل وما أورد عليه الأشاعرة من القال والقيل والجواب الفصيل في أواسط المجلد الأول من كتاب مشكلات العلوم وقد أشار اللّه تعالى إلى هذين الدليلين في تلك الآية القصيرة بعبارة لطيفة بديعة في غاية الوجازة والوجادة فذكر العبادة وعلقها على وصف الربوبية المشعر بالعلية ثم ذكر البرهان الأول بقوله عم طوله :
لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ
« 1 » .
والبرهان الثاني بقوله
( رَبَّكُمُ )
يعني ان الربوبية تقتضي شكر المنعم وهو يتوقف على المعرفة فما لا يتم الواجب الا به واجب عقلا فانظر إلى اعجاز الكلام الرباني والفرقان السبحاني حيث ذكر هذين الدليلين اللذين دارا على السنة الحكماء الكرام والفضلاء العظام مدى الأيام والأعوان في عبارة قصيرة سيقت لبيان وجوب عبادة الملك العلام بل المهرة الحذقة من أولى الافهام استنبطوا هذين البرهانين من تلك الآية بلا مين .
الموقف التاسع :
اعلم أن القادر المتعال أكد القول بوجوب معرفة خالق
هامش
( 1 ) سورة البقرة ( 2 ) : 183 .