تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 97

مساهمون:

ص٩٧
وعلى هذا ترجع عبارتهم إلى أنه لم يقع نسخ المتواتر بالآحاد ، ويكون الجواز العقلي ليس محل خلاف » . والذي حمل الإسنوي على هذا التوفيق : أن الدليل الذي استدلوا به على عدم الجواز ضعيف ؛ لأنهم استدلوا بأن المتواتر قاطع ، والآحاد ظني ، والقاطع لا يرفع بالظني . ولقد ضعّف الإسنوي هذا الدليل من وجهين : الأول : ما قاله ابن برهان إن الحكم في المتواتر مقطوع به من حيث الابتداء ، لا من حيث الدوام ، والنسخ يرد على الثاني لا على الأول . الثاني : أن العلماء نصوا على أن العام إذا عمل به ، ثم أخرج منه بعض أفراده بعد العمل يكون ذلك نسخا لا تخصيصا ، مع هذا أجازوا إخراج بعض أفراد العام بالآحاد ، مع أن العام قد يكون قرآنا فيكون متواترا . وقالوا في توضيح ذلك : إن العام ظني الدلالة قطعي الثبوت ، والخاص قطعي الدلالة ظني الثبوت ، فبينهما تعادل وتكافؤ ، ولا شك أن هذا يجري في نسخ المتواتر بالآحاد ، فلا ينهض الدليل على إثبات المنع « 1 » . ومما تقدم يعلم أن الجواز العقلي قدر متفق عليه ، وأن الخلاف في الوقوع الشرعي أي : الجواز السمعي ، فجمهور الأصوليين يرى عدم الوقوع . ويرى داود وأهل الظاهر أنه وقع « 2 » ، وهي رواية عن أحمد . قال ابن حزم في إحكامه : وسواء عندنا السنة المنقولة بالتواتر ، والسنة المنقولة بأخبار الآحاد ، كل ذلك ينسخ بعضه بعضا ، وينسخ الآيات من القرآن ، وتنسخه الآيات من القرآن « 3 » .
هامش
( 1 ) انظر نهاية السول للإسنوي 2 / 184 ، أصول الفقه لشيخنا الدكتور زهير 3 / 78 ، 79 . ( 2 ) أما الإمام الغزالي رحمه الله فقد ذهب إلى التفصيل بين الخبر الموجود في زمان النبي صلى اللّه عليه وسلم ، والخبر الذي يكون بعد زمان النبي صلى اللّه عليه وسلم فهو يقول في المستصفى 1 / 126 : والمختار جواز ذلك عقلا لو تعبد به ، ووقوعه سمعا في زمن رسول الله صلى اللّه عليه وسلم ، وكون ذلك ممتنع بعد وفاته بدليل الإجماع من الصحابة على أن القرآن والمتواتر المعلوم لا يرفع بخبر الواحد ، فلا ذاهب إلى تجويزه من السلف والخلف . وكأن الفارق أن الأحكام في زمان الرسول صلى اللّه عليه وسلم في معرض التغير ، وفيما بعده مستقرة ، فكان لا قطع في زمانه ، انظر : البحر المحيط 4 / 109 . ( 3 ) انظر الإحكام في أصول الأحكام لابن حزم 1 / 505 ، البحر المحيط 4 / 109 .