الأولى : هذه الآية تدل على أن السنة بيان للقرآن ، والناسخ بيان للمنسوخ ، فلو كان القرآن ناسخا للسنة ، لكان القرآن بيانا للسنة ، وقد تقدّم أن السنة بيان للقرآن ، فيلزم كل واحد منهما بيان الآخر ، وهذا دور ، والدور باطل ، فامتنع أن يكون الكتاب ناسخا للسنة « 1 » .
الثانية : هذه الآية تدل على أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم مبيّن للأحكام ، وهو الغرض من بعثته ، فلو نسخ بما جاء به لكان « 2 » رافعا لا مبيّنا ، لأن نسخ الحكم رفع له ، ورفع الشيء لا يكون بيانا « 3 » .
وقد أجاب الجمهور عن هذين الاستدلالين :
أما الاستدلال الأول : فإنه ليس في قوله تعالى :
لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ
دليل على أنه لا يتكلم إلا بالبيان ، كما أنك إذا قلت : « إذا دخلت الدار لا أسلم على زيد » ، ليس فيه أنك لا تفعل فعلا آخر .
سلمنا أن السنة كلها بيان ، لكن البيان هو الإبلاغ ، وحمله على هذا أولى ؛ لأنه عام في كل القرآن ، أما حمله على بيان المراد ، فهو تخصيص ببعض ما أنزل ، وهو ما كان مجملا ، أو عاما مخصوصا ، وحمل اللفظ على ما يطابق الظاهر أولى من حمله على ما يوجب ترك الظاهر « 4 » .
أما الاستدلال الثاني : فالمراد بالبيان في الآية هو : تبليغه عليه الصلاة والسلام إليهم ، ولو سلمنا فالنسخ أيضا بيان لانتهاء أمد الحكم ، كما تقدم في تعريف النسخ .
ولو سلمنا فكونه « 5 » مبيّنا لا ينفي كونه ناسخا أيضا ؛ لأنه قد يكون مبيّنا لما ثبت من الأحكام ، ناسخا لما ارتفع منها ، ولا تعارض بينهما « 6 » .
أما دليل الشافعي العقلي فمن وجهين :
الأول : أنه لو نسخت السنة بالقرآن لزم تنفير الناس عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعن طاعته ، لإيهامهم أن الله تعالى لم يرض ما سنّه رسوله صلى اللّه عليه وسلم ، وذلك مناف لمقصود البعثة ، ولقوله تعالى :
وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ
« 7 » .
هامش
( 1 ) هذا الاستدلال أورده الإمام الرازي في المحصول 1 / 3 / 513 ، وانظر كشف الأسرار 3 / 898 .
( 2 ) لكان : أي النبي صلى اللّه عليه وسلم .
( 3 ) هذا الاستدلال أورده ابن الحاجب في مختصره : انظر شرح العضد على ابن الحاجب وحواشيه 2 / 791 ، وذكر قريبا من هذا الاستدلال الآمدي في الإحكام 3 / 214 .
( 4 ) انظر المحصول للإمام الرازي 1 / 3 / 413 ، كشف الأسرار 3 / 905 .
( 5 ) فكونه : أي النبي صلى اللّه عليه وسلم .
( 6 ) انظر شرح العضد على ابن الحاجب وحواشيه 2 / 197 .
( 7 ) سورة النساء ، من الآية 64 .