الثاني : أن السنة ليست من جنس القرآن ؛ لأن القرآن معجز ، ومتلو ، ومحرم تلاوته على الجنب ، وليس كذلك السنة ، وإذا لم يكن القرآن من جنس السنة امتنع نسخه لها ، كما يمتنع نسخ القرآن بحكم دليل العقل ، وبالعكس .
وأجاب الجمهور عن المعارضة الأولى بثلاثة أجوبة :
الجواب الأول : أن ذلك إنما يصح أن لو كانت السنة من عند الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، من تلقاء نفسه ، وليس كذلك ، بل إنما هي من الوحي على ما قال الله تعالى :
وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى
« 1 » .
الجواب الثاني : أنه لو امتنع نسخ السنة بالقرآن لدلالته على أن ما شرعه أولا غير مرضيّ ، لامتنع نسخ القرآن بالقرآن ، والسنة بالسنة ، وهو خلاف إجماع القائلين بالنسخ ، حيث إنه يجوز اتفاقا نسخ القرآن بالقرآن ، والسنة بالسنة .
الجواب الثالث : أن ما ذكروه إنما يدل على أن المشروع أولا غير مرضيّ : أن لو كان النسخ رفع ما ثبت أولا ، وليس كذلك ، بل هو عبارة عن دلالة الخطاب على أن الشارع لم يرد بخطابه الأول ثبوت الحكم في وقت النسخ ، دون ما قبله .
أما جواب الجمهور عن المعارضة الثانية :
أنه لا يلزم من اختلاف جنس القرآن والسنة فيما اختص كل واحد منهما بعد اشتراكهما في الوحي امتناع نسخ أحدهما بالآخر ؛ إذ لا منافاة بين اختلاف الجنس والنسخ ؛ لأن الكل من عند الله « 2 » .
الرأي الراجح في نسخ السنة بالقرآن :
الراجح في هذا رأي الجمهور ، وهو جواز نسخ السنة بالقرآن ، لوقوع هذا النوع من الشرع حسب الأدلة الصحيحة المتقدمة الثابتة في القرآن الكريم ، والسنة النبوية .
( ب ) أما نسخ السنة بالسنة « 3 » فأربعة أقسام :
الأول : نسخ السنة المتواترة بالمتواترة .
هامش
( 1 ) سورة النجم ، آية 3 و 4 .
( 2 ) انظر الإحكام في أصول الأحكام للآمدي 3 / 216 ، 217 ، تيسير التحرير 2 / 202 .
( 3 ) وتعرف بآخر الأمرين من رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال البيهقي : « الحجة أبدا في الآخر من أمره صلى اللّه عليه وسلم » يعني الآخر من فعله ، أو قوله ، سواء كان ذلك واجبا ، أو مستحيلا أو هو أولى من غيره ، وعلى هذه القاعدة اختار الفقهاء أذكارا وأفعالا دون أخرى ، وسكتوا عن تلك الأخرى ، وكأنها ليست بسنة ، فظن من لا علم عنده أنهم تحكموا بلا دليل وحجتهم هي ما ذكرنا ، انظر : الجامع في الخاتم للبيهقي ص 65 .