12 - وفي ضوء ما سبق قرّر رحمه الله أن معنى آية سورة البقرة
ما نَنْسَخْ
من حكم
آيَةٍ
، فنبدله بغيره
أَوْ نُنْسِها
، أو نتركها فلا نغير حكمها ، وكذلك قراءة ننسأها معناها : نؤخرها فلا نغير حكمها ، والمؤخر متروك
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
للمكلف إن كان خفيفا فخيريته بسهولته ، وإن كان شديدا فخيريته بكثرة ثوابه ، فالنسخ والترك لحكم الآية ، وأسند في الظاهر إلى الآية ، لأنها أصله وهو مدلولها ، وهذا نوع من الإيجاز المعروف في القرآن ، ونظيره قول الله تعالى :
وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ
أي : أهلها . قال : وهذا الذي قررناه هو المتعين لا يجوز غيره « 1 » .
13 - ثم ذكر بعض الآثار عن ابن عباس ومجاهد وأصحاب ابن مسعود والسدى تؤيد هذا المعنى .
فروى أبو داود في الناسخ وابن جرير وابن أبي حاتم في تفسيرهما عن مجاهد عن أصحاب ابن مسعود في قوله :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ
نثبت خطها ، ونبدل حكمها ،
أَوْ نُنْسِها
نؤخرها عندنا .
وروى ابن جرير عن ابن أبي نجيح عن أصحاب ابن مسعود والسّدّي وغيرهما في قوله
أَوْ نُنْسِها
: أو نتركها لا نبدلها .
14 - ثم ذكر أن ما روى عن بعض الصحابة والتابعين من حمل النسخ في الآية على نسخ اللفظ والتلاوة مردود من وجوه :
أحدها : استحالة ذلك كما تقدم .
الثاني : يرده بقية الآية ، فإن قوله تعالى :
نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها
يعين إرادة الحكم ؛ لأن ألفاظ القرآن وآياته بالنسبة للمكلفين سواء ، تلاوة حرف منها بعشر حسنات كما في الحديث ، ولكن الأحكام تتفاوت ، فالحكم السهل خير للمكلف من الحكم الصعب ، والحكم الكثير الثواب خير من الحكم القليل الثواب .
والوجه الثالث : مما يساعد على هذا التفسير معرفة سبب نزولها ، وذلك أن
هامش
( 1 ) ذوق الحلاوة ببيان امتناع نسخ التلاوة ، ص 23 .