وعلق العلامة أحمد شاكر على ذلك بأن نقل مقالة الشافعي في كتاب اختلاف الحديث « 1 » بعد أن ذكر حديث عائشة ، قال : « فيشبه أن يكون إنما نهى رسول الله صلى اللّه عليه وسلم عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث إذا كانت الدافة ، على معنى الاختيار لا على معنى الفرض » .
وفي موضع آخر قال الشافعي في اختلاف الحديث أيضا « 2 » : « وفي مثل هذا المعنى أن علي بن أبي طالب خطب الناس وعثمان بن عفان محصورا ، فأخبرهم أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث ، وكان يقول به ؛ لأنه سمعه من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وعبد الله بن واقد ، وقد رواه عن النبي وغيرهما فلما روت عائشة أن النبي صلى اللّه عليه وسلم نهى عنه عند الدافة ، ثم قال : كلوا وتزودوا وادخروا وتصدقوا ، وروى جابر بن عبد الله عن النبي أنه نهى عن لحوم الضحايا بعد ثلاث ، ثم قال : كلوا وتزودوا وتصدقوا ، كان يجب على من علم الأمرين معا أن يقول : نهى النبي عنه لمعنى فإذا كان مثله فهو منهي عنه ، وإذا لم يكن مثله لم يكن منهيا عنه ، أو يقول : نهى النبي عنه في وقت ، ثم رخص فيه بعده ، والآخر من أمره ناسخ للأول ، قال الشافعي : وكل قال بما سمعه من رسول الله ، وكان من رسول الله ما يدل على أنه قال على معنى دون معنى ، أو نسخه ، فعلم الأول ولم يعلم غيره ، فلو علم أمر رسول الله فيه صار إليه إن شاء الله » .
وهكذا قامت عند الشافعي احتمالات في فهم الحديث كما ترى ، فرأى أنه قد يحتمل النسخ ، ويحتمل أن يكون النهي على وجه الاختيار لا الفرض ، ويحتمل أن يكون النهي لمعنى فإذا وجد ثبت النهي .
والذي أراه راجحا عندي أن النهي عن الادخار بعد ثلاث إنما كان من النبي صلى اللّه عليه وسلم لمعنى دف الدافة ، وأنه تصرّف منه صلى اللّه عليه وسلم على سبيل تصرف الإمام والحاكم فيما ينظر فيه لمصلحة الناس ، وليس على سبيل التشريع في الأمر العام ، بل يؤخذ منه أن للحاكم أن يأمر وينهى في مثل هذا ، ويكون أمره واجب الطاعة ، لا يسع أحد مخالفته ، آية ذلك أن النبي صلى اللّه عليه وسلم حين أخبروه عما نابهم من المشقة في هذا سألهم : « وما ذلك ؟ » فلما أخبروه عن نهيه أبان لهم عن علته وسببه ، فلو كان هذا النهي تشريعا عامّا ، لذكر لهم أنه كان ثم نسخ ، أما وقد أبان لهم عن العلة
هامش
( 1 ) انظر اختلاف الحديث للشافعي ص 247 - 248 من هامش الجزء السابع من الأم .
( 2 ) انظر اختلاف الحديث ص 136 ، 137 .