تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 76

مساهمون:

ص٧٦
اليهود حسدوا المسلمين حين حولهم الله من بيت المقدس إلى الكعبة ، فقالوا : إن محمدا يأمر أصحابه بشيء ، ثم ينهاهم عنه فنزلت الآية ردّا عليهم ، فكان اعتراضهم على تبديل حكم بحكم ، ومعرفة سبب النزول يعين على فهم الآية ، ويرجح أحد محتملاتها على غيره . 15 - وأما قوله تعالى :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
هذه الآية مكية نزلت للرد على المشركين . قال البغوي في تفسيره :
وَإِذا بَدَّلْنا آيَةً مَكانَ آيَةٍ
، يعني : وإذا نسخنا حكم آية ، فأبدلنا مكانه حكما لآخر
وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ
أعلم بما هو أصلح لخلقه فيما يبدل ويغير من أحكامه
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ
مختلق ، وذلك أن المشركين قالوا : إن محمدا يسخر بأصحابه يأمرهم اليوم بأمر ، وينهاهم عنه غدا ، ما هو إلا مفتر ، يتقوله من تلقاء نفسه
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
حقيقة القرآن ، وبيان الناسخ والمنسوخ . فالآية نزلت مع سابقتها في الرد على من أنكر نسخ الأحكام ، فعقب هذه الآية بجملة
بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ
؛ لأن المنكرين أميون ، ولم يعقب آية البقرة بمثلها ؛ لأن المنكرين هناك أهل كتاب ، وهم أهل علم . وأرى ثانيا : أن أتجه إلى تعميم إشارة أوردها الزركشي في البرهان ، وتابعه عليها السيوطي في الإتقان على جميع ما ادعى نسخ حكمه في القرآن ، وهي : « قسم بعضهم النسخ من وجه آخر إلى ثلاثة أضرب : . . . الثالث : ما أمر به لسبب ، ثم يزول السبب كالأمر حين الضعف والقلة بالصبر ، وبالمغفرة للذين يرجون لقاء الله ، ونحوه من عدم إيجاب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد ونحوها ، ثم نسخه إيجاب ذلك . وهذا ليس بنسخ في الحقيقة ، وإنما هو نسيء كما قال تعالى :
أَوْ نُنْسِها
فالمنسأ : هو الأمر بالقتال إلى أن يقوى المسلمون ، وفي حال الضعف يكون الحكم وجوب الصبر على الأذى » . وبهذا التحقيق تبيّن ضعف ما لهج به كثير من المفسرين في الآيات الآمرة
النسخ عند الأصوليين — صفحة 76 | علي جمعة