بالتخفيف أنها منسوخة بآية السيف ، وليست كذلك بل هي من المنسأ ، بمعنى : أن كل أمر ورد يجب امتثاله في وقت ما لعلة توجب ذلك الحكم ، ثم ينتقل بانتقال تلك العلة إلى حكم آخر ، وليس بنسخ ، إنما النسخ الإزالة حتى لا يجوز امتثاله أبدا .
وإلى هذا أشار الشافعي في « الرسالة » إلى النهي عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة ، ثم ورد الإذن فيه فلم يجعله منسوخا ، بل من باب زوال الحكم لزوال علته ، حتى لو فجأ أهل ناحية جماعة مضرورون تعلق بأهلها النهي .
ومن هذا قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ . . .
الآية ، كان ذلك في ابتداء الأمر ، فلما قوي الحال وجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمقاتلة عليه ، ثم لو فرض وقوع الضعف كما أخبر النبي صلى اللّه عليه وسلم في قوله : « بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا » « 1 » ، عاد الحكم ، وقال صلى اللّه عليه وسلم : « فإذا رأيت هوى متبعا ، وشحّا مطاعا ، وإعجاب كل ذي رأى برأيه ، فعليك بخاصة نفسك » .
وهو سبحانه وتعالى حكيم أنزل على نبيه صلى اللّه عليه وسلم حين ضعفه ما يليق بتلك الحال رأفة بمن تبعه ورحمة ، إذ لو وجب لأورث حرجا ومشقة ، فلما أعز الله الإسلام ، وأظهره ، ونصره أنزل عليه من الخطاب ما يكافئ تلك الحالة من مطالبة الكفار بالإسلام ، أو بأداء الجزية - إن كانوا أهل كتاب - أو الإسلام أو القتل إن لم يكونوا أهل كتاب .
ويعود هذان الحكمان - أعني المسالمة عند الضعف ، والمسايفة عند القوة - بعود سببهما ، وليس حكم المسايفة ناسخا لحكم المسالمة ، بل كل منهما يجب امتثاله في وقته أ . ه « 2 » .
وما أشار إليه الزركشي عن الشافعي في تفسيره لحديث الأضاحي هو أحد أقوال له ، ذكرها في الرسالة ، وفي كتابه اختلاف الحديث ، فقال في الرسالة :
« فإذا دفت الدافة ثبت النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث ، وإذا لم تدف دافة فالرخصة ثابتة بالأكل والتزود والادخار والصدقة ، ويحتمل أن يكون النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاث منسوخا في كل حال فيمسك الإنسان من ضحيته ما شاء ، ويتصدق بما شاء » « 3 » .
هامش
( 1 ) الحديث رواه مسلم في صحيحه بشرح النووي 2 / 176 ، وابن ماجة في سننه 2 / 1319 .
( 2 ) انظر البرهان في علوم القرآن 2 / 42 - 43 ، الطبعة الأولى ، وكذلك الإتقان للسيوطي 2 / 21 .
( 3 ) انظر الرسالة للشافعي تحقيق أحمد شاكر ص 239 ، 240 ، ف 672 - 673 .