الرأي المختار في أنواع نسخ القرآن
عرضنا فيما سبق لكلام الأصوليين من كتبهم ، ونرى أن الذي دفع الجمهور إلى القول بنسخ التلاوة ، أو نسخ الحكم في القرآن إنما هي الأخبار الواردة في هذا المعنى ، وبعضها بأسانيد صحيحة ، وردّ بعض المعتزلة هذا الأمر عقلا ، حيث رأوا فيه فتح باب خطير للقول بتحريف الكتاب ، وهو ما تدعيه الشيعة ، حيث يقرّ كثير منهم بأن الكتاب قد حرف .
فألف الطبرسي كتابه : فصل الخطاب في إثبات تحريف كتاب رب الأرباب ، ولما اعترض عليه حتى من قبل بعض الشيعة ، أجاب عنه شرف الدين العاملي في كتابه « أجوبة مسائل جار الله » : بأن ذلك من قبيل النسخ الذي يقول به الجمهور .
والقول بنسخ التلاوة ، بل والحكم في القرآن يفتح باب شر كبير من جهتين :
الأولى : القول بتحريف القرآن فيصبح ذلك حجة بيد المبشرين للقول بتساوي القرآن مع المحرف من التوراة والإنجيل ، وهو مدخل تبشيري قديم أشار إليه ابن حزم في كتابه الفصل ، أثناء مجادلته للنصارى ، حيث ادعوا أن القرآن محرف أيضا بناء على كلام الشيعة من المسلمين ، فرد عليهم بقوله : « ومن قال لكم إن الشيعة مسلمون » .
الثانية : القدح في إطلاقية القرآن ، وأعني بها أن القرآن صالح لكل زمان ومكان ، ويخاطب جميع البشر في كل الأحوال إلى يوم القيامة ، وهو معجزة الرسالة الخاتمة ، وعليه فلا بد أن تدل آياته كلها على أحكام شرعية ، تتناسب مع الأحوال المختلفة ، حتى يحقق الشمول والمرونة التي تستلزمها خاتمية الرسالة المحمدية ، كما سنوضحه بعد قليل .
فأرى أولا : امتناع نسخ التلاوة كما ذهب إليه العلامة الغماري في كتابه « ذوق الحلاوة في امتناع نسخ التلاوة » ، ونقل عن القاضي الباقلاني أن بعضهم قد منعه ، ولم يحدد لنا هذا البعض ، وملخص ما ذهب إليه :
1 - أن نسخ التلاوة يستلزم البداء ، وهو ظهور المصلحة في حذف الآية بعد خفائها ، وهو في حق الله محال بالاتفاق ، وأما ما أبداه الأصوليون من حكمة في جوازه بنسخ حرمة مسه ، ونحو ذلك فتمحل وتكلف ، لا يتناسب مع دفع المحال .