الموجب لإجماعهم على ذلك الحكم ، فيكون إجماعهم دليلا على وجود الخطاب الناسخ ، وليس إجماعهم هو الذي نسخ « 1 » .
الإشكال الثالث : أن المرفوع إما حكم ثابت ، وإما ما لا ثبات له ، والحكم الثابت لا يمكن رفعه ، وما لا ثبات له لا حاجة إلى رفعه ، فدل على أن النسخ رفع مثل الحكم الثابت ، لا رفع عينه « 2 » ، أو بيان لمدة العبادة كما قال الفقهاء .
الجواب : أجيب بأن هذا الاعتراض فاسد ؛ لأننا نقول بأن النسخ رفع لحكم ثابت لو لاه لبقي ثابتا ، فالرفع من المرفوع كالكسر من المكسور والفسخ في العقد ؛ إذ لو قال قائل : ما معنى كسر الآنية وإبطال شكلها من تربيع وتدوير ؟ ، فإن الزائل بالكسر هو تدوير الإناء سواء أكان هذا التدوير موجودا باعتبار نظر المشاهد له ، أو معدوما باعتبار أنه حال لا وجود له ، والمعدوم لا حاجة إلى إزالته ، والموجود لا سبيل إلى إزالته ، فيقال : معناه أن استحكام شكل الآنية يقتضي بقاء صورتها دائما ، لولا ما ورد عليه من السبب الكاسر ، فالكاسر قطع ما اقتضاه استحكام بنية الآنية دائما لولا الكسر ، فكذلك الفسخ يقطع العقد من حيث إن الذي ورد عليه لو لاه لدام ، فإن عقد البيع سبب للملك مطلقا بشرط ألا يطرأ قاطع ، وليس طروء القاطع من الفسخ مبينا لنا أن البيع في وقته انعقد مؤقتا محدودا إلى غاية الفسخ ، فإنا نعقل أن يقول : بعتك هذه الدار سنة ، ونعقل أن يقول : بعتك وملّكتك أبدا ، ثم يفسخ بعد انقضاء السنة ، وندرك الفرق بين الصورتين ، وأن الأولى وضعت لملك قاصر بنفسه ، والثانية وضعت لملك مطلق مؤبّد إلى أن يقطع بقاطع ، فإذا فسخ كان الفسخ قاطعا لحكمه الدائم بحكم العقد ، لولا القاطع ، لا بيانا لكونه في نفسه قاصرا .
وبهذا يفارق النسخ التخصيص : فإن التخصيص يبين أن اللفظ ما أريد به الدلالة إلا على البعض ، والنسخ يخرج عن اللفظ ما أريد به الدلالة عليه « 3 » .
وهذه الإجابة تبيّن لنا أن ذلك الاعتراض فاسد من حيث الأصل ؛ لأن المقصود « برفع الحكم » رفع حكم ثابت لولا الناسخ لبقي هذا الحكم ثابتا .
ويمكن أن نقيس هذا الشيء المعنوي على شيء حسي مادي ، فشبهه بالكسر من المكسور ، والفسخ في العقود ، فلو قال قائل : إن الكسر إما أن يرد على
هامش
( 1 ) انظر الإحكام للآمدي 2 / 154 ، 155 .
( 2 ) انظر روضة الناظر ص 37 ، أحكام النسخ في الشريعة الإسلامية ص 11 ، المستصفى للغزالي 1 / 108 .
( 3 ) انظر المستصفى للغزالي 1 / 108 ، 109 .