تخطي إلى المحتوى الرئيسي

النسخ عند الأصوليين — صفحة 14

مساهمون:

ص١٤
ثانيا : إن هذا التعريف غير جامع ؛ لأنه لا يشمل نسخ التلاوة فقط لبعض آيات القرآن الكريم ، فنسخ التلاوة يختلف عن نسخ الحكم « 1 » من حيث زوال الحكم في النوع الثاني « نسخ الحكم » وبقاء الحكم في الأول « نسخ التلاوة » . ويجاب عن هذا : أن نسخ التلاوة - إذا قلنا به - يترتب عليه أحكام ، منها : نسخ حرمة القراءة على الجنب ، ومس سطوره على المحدث ، ونحو ذلك ، فنسخ التلاوة إذن يدخل في التعريف ، وإذا عرفنا ذلك نعرف أن هذا الحد جامع « 2 » وبذلك يضعف الاعتراض على أننا ننفى نسخ التلاوة كما سيأتي . ثالثا : إن الحكم كلام الله تعالى ، وكلام الله قديم ، وما ثبت قدمه امتنع عدمه ، فلا يتصور رفعه ، ولا تأخره عن غيره ، أو تأخر غيره عنه . ويجاب عن هذا : أن المراد بالحكم في هذا التعريف ما ثبت على المكلف بعد أن لم يكن ثابتا ، شأنه في ذلك شأن الوجوب المشروط بالعقل ، فهو لم يكن ثابتا قبل العقل ، ثم ثبت بعده ، وهذا ليس بقديم كي يمتنع انتفاؤه وتأخره ، والمراد برفع حكم شرعي : انتفاء وجوب التكليف بالشيء ، فإذا ثبت تحريم شيء بعد أن كان واجبا فقد انتفى وجوبه ، وهذا ما نعنيه بالرفع . وقال الغزالي وابن قدامة رحمهما الله « 3 » : إن الاعتراض فاسد من حيث الأصل ، وذلك أن معنى النسخ يراد به قطع تعلق الخطاب بالمكلف ، وكلام الله تعالى قديم لا يرفع ، وإنما الذي يرفع هو الحكم « 4 » ، لا الخطاب نفسه ، ثم إن الكلام القديم يتعلق بالقادر والعاقل ، فإذا طرأ العجز والجنون زال التعلق ، وإذا عادت القدرة وعاد العقل عاد التعلق بالمكلف ، وكلام الله سبحانه وتعالى كلام قديم لا يتغير ، ولا يتبدل . التعريف الثاني : للإمام الغزالي ، واختاره الصيرفي ، وأبو إسحاق الشيرازي ، والآمدي ، وغيرهم أن النسخ هو : « الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتا مع تراخيه عنه » « 5 » .
هامش
( 1 ) حاشية البناني على شرح جمع الجوامع 2 / 78 ، التقرير والتحبير 3 / 41 . ( 2 ) انظر التقرير والتحبير 3 / 41 . ( 3 ) انظر المستصفى 1 / 109 ، روضة الناظر ص 37 . ( 4 ) الخطاب الذي أخذ في تعريف الحكم الأصولي قديم ، أما الحكم الفقهي وهو المراد هنا فهو متعلق الحكم الأصولي وهو حادث ، فهناك فرق بين الوجوب والواجب ، والحرمة والحرام . . وهكذا . ( 5 ) انظر المستصفى 1 / 107 ، المحصول للرازي 1 / 3 / 423 ، الإحكام للآمدي 3 / 151 ، إرشاد الفحول ص 184 .