معدوم أو موجود ، فالمعدوم لا حاجة إلى إعدامه ، والموجود لا ينكسر ، كان هذا القول غير صحيح ؛ لأن معناه أن له من استحكام البنية ما يبقى ؛ لولا الكسر ، وندرك التفرقة بين كسره وبين انكساره بنفسه لتناهي الخلل فيه ، كما ندرك التفرقة بين فسخ الإجارة وبين زوال حكمها لانقضاء مدتها ، وبهذا فارق التخصيص النسخ ؛ فإن التخصيص يدل على أنه أريد باللفظ البعض « 1 » .
التعريف الثالث :
عرّفه البيضاوي بأنه : « بيان انتهاء حكم شرعي بطريق شرعي متراخ عنه » « 2 » .
شرح التعريف : قوله « بيان » جنس في التعريف يشمل كل بيان ، فهو يصدق ببيان الابتداء ، كبيان المجمل والعام ويصدق أيضا ببيان الانتهاء .
وإضافة « بيان » إلى « الانتهاء » : أخرجت بيان الابتداء ، كبيان المجمل بالمبين ، والعام بالمخصص ، والمطلق بالمقيّد .
وتقييد هذا البيان بكونه لحكم شرعي : مخرج لبيان انتهاء الحكم العقلي ، وهو البراءة الأصلية ؛ فإن شرعية الأحكام بعدها ليست نسخا لها ؛ لعدم ثبوتها بنص شرعي .
والحكم الشرعي : شامل لما ثبت بالأمر ، ولما ثبت بالنهي ، وشامل لفعل الرسول صلى اللّه عليه وسلم ، وللتلاوة دون الحكم ؛ إذ في نسخها بيان لانتهاء تحريم قراءتها على المحدث .
وتقييد البيان بكونه بطريق شرعي ، أي : بدليل شرعي : قول أو فعل ، يخرج انتهاء الحكم الشرعي بالعقل كانتهاء الحكم بموت المكلف ، أو قطع يده مثلا ، فلم يجب غسلها فليس ذلك نسخا ؛ إذ النسخ لا يكون بالعقل رأسا ، وإلا لادّعى أقوام في العصور المختلفة أن مصلحة حكم بعينه قد انتهت ، أو مفسدة حكم بعينه قد زالت ، فينتهي الحكم بذلك أمرا ونهيا ، وما كان الله ليذر المؤمنين على ذلك ، وهو الذي شرع الأحكام وفق مصالح العباد ، وحسبما أحاط بذلك علمه الذي لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ، ولم يؤت البشر إلا قليلا من العلم
وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا
« 3 » .
هامش
( 1 ) انظر روضة الناظر ص 37 ، النسخ في دراسات الأصوليين ص 38 .
( 2 ) انظر الإبهاج في شرح المناهج 2 / 145 ، نهاية السول مع شرح البدخشي 2 / 164 .
( 3 ) سورة الإسراء ، 85 .