ووصف المبيّن بكونه « متراخيا » لبيان الواقع ؛ لأن ذلك حقيقة النسخ ؛ إذ لو اتصل البيان بالمبيّن نحو : « اقتلوا المشركين إلا أهل الذمة » ، أو « لا تقتلوا أهل الذمة » عقب اقتلوا المشركين لم يكن هناك حكم ثابت ينتهي ؛ لأن الحكم إنما ثبت ويتقرر بعد تمام الكلام ، ومثل ذلك تخصيص للعام لا نسخا « 1 » ، وعلى ذلك فيتوقف حكم أول الكلام على آخره باعتبار أنه كلام واحد متصل .
وخلاصة المعنى : أن الخطاب الأول له غاية في علم الله تعالى ، ينتهي الحكم عندها لذاته ، ثم يحصل بعده حكم آخر ، لكن الحصول والانتهاء في الحقيقة راجعان إلى التعلق بأفعال المكلفين « 2 » .
مناقشة هذا التعريف :
ويمكن أن يتوجه على هذا التعريف ما يخل بكونه جامعا مانعا ، نوضحه فيما يلي :
أولا : إن هذا التعريف لا يشمل النسخ قبل التمكن من الفعل ، لعدم دخول وقت الفعل ؛ وذلك لأن قوله : « بيان انتهاء حكم شرعي » مشعر بأن الحكم الذي بيّن انتهاء أمده قد دخل وقت العمل به ، فالفعل الذي لم يدخل وقت العمل به غير داخل في التعريف فيكون غير جامع .
ومقتضى هذا أن النسخ لا يرد على الحكم الذي لم يتمكن المكلف من فعله ، مع أن جمهور العلماء يقولون بأن النسخ قبل التمكن من الفعل جائز « 3 » .
الجواب : يجاب عن هذا بأن المقصود من قول البيضاوي : « بيان انتهاء حكم شرعي » بيان انتهاء تعلق الحكم ، وانتهاء التعلق يصدق بدخول وقت العمل بالحكم ، وبعدم دخول وقت العمل بالحكم ؛ فيكون التعريف شاملا لنسخ الحكم قبل التمكن من فعله .
ثانيا : إن هذا التعريف لا يشمل نسخ الخبر الذي لا يشتمل على حكم شرعي ، فإن قوله : « انتهاء حكم شرعي » مشعر بأن المنسوخ لا بد أن يكون حكما شرعيّا ، فيكون هذا الخبر خارجا عن التعريف ، مع أن النسخ يرد عليه ، فيكون التعريف غير جامع .
هامش
( 1 ) انظر كتاب النسخ في دراسات الأصوليين ص 39 .
( 2 ) انظر نهاية السول 2 / 164 .
( 3 ) نهاية السول للإسنوي 2 / 165 .