الإباحة ، وهي عدم الصوم ، التي هي البراءة الأصلية ؛ فهو لم يرفع حكما شرعيّا ، بل رفع مباحا أصليّا ، ومثل ذلك لا يعد نسخا .
وقوله « بدليل شرعي » : قيد ثان لإخراج رفع الحكم الشرعي بالموت ، فلا يكون نسخا ، بل سقوط تكليف .
وخرج به أيضا رفع الحكم الشرعي بالنوم ، والغفلة ، والجنون ، والنسيان ؛ فإن ذلك ليس بنسخ ، لأن الأعراض ليست أدلة شرعية ، بل هي أعراض قائمة بالشخص قد تزول ، مثل النوم والنسيان ، وقد تطول مثل الجنون والعته .
وفي التعبير « بدليل شرعي » : - وهو غير الحكم الشرعي - شمول للنسخ ببدل ، وبغير بدل ؛ وذلك لأن النسخ يقع بكليهما .
والدليل الشرعي : شامل لكلام الله تبارك وتعالى ، ولما صدر عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم من قول ، أو فعل ، أو تقرير .
وقوله « متأخر » : قيد يخرج به رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي غير متأخر ، كالاستثناء والغاية ؛ لأنها متصلة لا متأخرة ، ولاتصالها كانت رفعا للحكم من الأصل ، لا رفعا له بعد ثبوته ، فلا يسمى نسخا .
ويلاحظ في هذا التعريف أن معرّفه راعى في النسخ حق البشر ؛ لأن الرفع في حقيقته جاء لهم ، حيث علموا المنسوخ أولا ، ثم الناسخ ثانيا ، أما عند الله فليس هناك رفع أصلا لعلمه أن ذلك الحكم سينسخ .
مناقشة هذا التعريف :
نوقش التعريف من وجوه :
أولا : أن رفع الحكم بالنوم والجنون إنما هو بدليل شرعي ، وذلك لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال : « رفع القلم عن ثلاثة ، عن النائم حتى يستيقظ ، وعن الصبى حتى يحتلم ، وعن المجنون حتى يعقل » . « 1 »
ويجاب عن هذا : بأن شرط التكليف العقل ، ويستوي في منع التكليف النائم والغافل ، والنصوص الواردة في بيان رفع التكليف عن النائم والصبي والمجنون ليست رافعة ، بل مثبتة ، وأن مثل النوم والنسيان هو الرافع ، وليس الدليل نفسه هو الرافع ، وإنما الدليل بيّن أن تلك العوارض هي التي ترفع التكليف عن أمثال هؤلاء « 2 » .
هامش
( 1 ) هذا الحديث رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجة والحاكم عن عائشة وعلي وعمر بألفاظ متقاربة ، وقال السيوطي : حديث صحيح : انظر سنن أبي داود 4 / 194 ، تحفة الأحوذي 4 / 685 .
( 2 ) انظر التقرير والتحبير 3 / 41 ، النسخ في دراسات الأصوليين ص 31 .