ثانيا : إطلاق اسم النسخ بمعنى الإزالة واقع كما سبق في الأمثلة ، والأصل في الإطلاق الحقيقة ، ويلزم ألا يكون حقيقة في النقل ، دفعا للاشتراك عن اللفظ ؛ إذ الاشتراك خلاف الأصل .
ولقد اعترض على هذا الدليل : بأنه مقابل بمثله ؛ فالنسخ قد أطلق بمعنى النقل كما سبق في الأمثلة ، والأصل في الإطلاق الحقيقة ، ويلزم من كونه حقيقة فيه :
ألا يكون حقيقة في الإزالة ؛ دفعا للاشتراك عن اللفظ ، وليس أحد الأمرين أولى من الآخر « 1 » .
وأجيب عن هذا الاعتراض الأخير : بأن حمل النسخ على الإزالة حقيقة ، أولى من حمله على النقل ، وبيان ذلك : أن النقل أخص من الإزالة ؛ لأن النقل إعدام صفة وتجدد أخرى ، والإزالة مطلق الإعدام ، وجعل اللفظ حقيقة في الأعم أولى من جعله حقيقة في الأخص ، وإذا دار اللفظ بين العام والخاص ، كان جعله حقيقة في العام أولى ؛ لأن الأعم فيه تكثير الفائدة ، والأخص تقليل لها ، وتكثير الفائدة أولى من تقليلها « 2 » .
أدلة القول الثاني :
استدل القائلون بأن النسخ حقيقة في النقل ، مجاز في الإزالة بالآتي :
أن قولك : نسخت الكتاب ، إن كان حقيقة فهو المطلوب ، وإن كان مجازا فلا يكون مستعارا من الإزالة ؛ لأنه غير مزال ولا يشابهه ، فتعين أن يكون مستعارا من النقل لمشابهته إياه ، وإذا كان مستعارا منه ، كان النقل حقيقة ، فكان مجازا في الآخر دفعا للاشتراك . « 3 »
أدلة القول الثالث :
استدل القائلون بأن النسخ مشترك لفظي بين الإزالة والنقل : بأن النسخ استعمل في كل من الإزالة والنقل ، وليس أحدهما أولى من الآخر فيجعل مشتركا فيهما لاستعماله فيهما . « 4 »
وعلى كلّ فالخلاف لفظي ، لا معنوي ؛ حيث لا يترتب عليه أثر ، وليس له ثمرة .
هامش
( 1 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 149 .
( 2 ) انظر المحصول للإمام الرازي 1 / 3 / 423 .
( 3 ) انظر كشف الأسرار عن أصول فخر الإسلام البزدوي للبخاري 3 / 155 .
( 4 ) الإحكام للآمدي 3 / 149 .