القول الثاني : وهو لجماعة ، منهم القفال الشاشي : أنه حقيقة في النقل ، مجاز في الإزالة .
القول الثالث : وهو لجماعة منهم القاضي أبو بكر الباقلاني ، والغزالي والآمدي : أنه مشترك لفظي بين الإزالة والنقل لاستعماله فيهما « 1 » .
الأدلة : أدلة القول الأول :
استدل القائلون بأن النسخ حقيقة في الإزالة مجاز في النقل ، بالآتي :
أولا : إن إطلاق اسم النسخ على النقل في قولهم : ( نسخت الكتاب ) مجاز ؛ لأن ما في الكتاب لم ينقل حقيقة ؛ لأن الذي كتب في المنسوخ الجديد مثل باقي الأصل وليس هو هو ؛ حيث إن النقوش أعراض ، والأعراض لا تقوم بمحلين في وقت واحد ، وإذا كان اسم النسخ مجازا في النقل ، لزم أن يكون حقيقة في الإزالة ؛ لأنه غير مستعمل فيما سواهما ؛ فإذا بطل كونه حقيقة في أحدهما تعين أن يكون حقيقة في الآخر .
ولقد اعترض على هذا الدليل : بأن إطلاق اسم النسخ على الكتاب ، إما أن يكون حقيقة أو مجازا ، فإن كان حقيقة فهو المطلوب ، وبطل ما ذكروه ، وإن كان مجازا ضرورة أن ما في الكتاب لم ينقل على الحقيقة ؛ فيمتنع أن يكون التجوز به مستفادا من الإزالة ؛ فإنه غير مزال ولا يشبه الإزالة ، فلا بد من استعارته من معنى آخر ، والإجماع منعقد على امتناع إطلاق اسم النسخ حقيقة في الإزالة والنقل ، فإذا تعذرت استعارته من الإزالة ، تعين أن يكون مستعارا من النقل ، ووجه استعارته منه أن تحصيل ما في أحد الكتابين في الآخر يجري مجرى نقله وتحويله إليه ، فكان منه لسبب من أسباب التجوز ، وإذا كان مستعارا من النقل ، وجب أن يكون اسم النسخ حقيقة في النقل ؛ إذ المجاز لا يتجوز به في غيره بإجماع أهل اللغة .
ثم وإن كان ذلك مجازا في نسخ الكتاب ، فما الاعتذار عن إطلاق اسم التناسخ في المواريث مع كونها منتقلة حقيقة ، وإطلاق اسم النسخ على تحويل النحل والعسل من خلية إلى أخرى ، فإن ما ذكروه في تقرير التجوز في نسخ الكتاب غير متصور هاهنا . « 2 »
هامش
( 1 ) انظر المحصول للإمام الرازي 1 / 3 / 421 ، المستصفى 1 / 107 ، المعتمد 1 / 463 ، الإحكام للآمدي 3 / 147 ، البحر المحيط 4 / 63 ، شرح الكوكب المنير 3 / 525 .
( 2 ) انظر الإحكام للآمدي 3 / 148 .