وقال الفخر الرازي في تفسيره الآية 3 من سورة الجمعة وكان هو أميّا أيضا مثل الأمة التي بعث فيهم وكانت البشارة به في الكتب قد تقدّمت بأنه النبي الأميّ ، وكونه بهذه الصفة أبعد من توهّم الاستعانة على ما أتى به من الحكمة بالكتابة فكانت حاله مشاكلة لحال الأمة الذين بعث فيهم ، وذلك أقرب إلى صدقه . ( التفسير الكبير 30 / 4 ط دار الكتب العلمية ، بيروت ) .
كونه أميّا قال الزجاج : معنى الأميّ الذي هو على صفة أمة العرب . قال عليه الصّلاة والسّلام إنّا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب « 1 » . فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرءون والنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان كذلك ، فلهذا السبب وصفه بكونه أميّا . قال أهل التحقيق وكونه أميّا بهذا التفسير كان من جملة معجزاته وبيانه من وجوه :
الأول : أنه عليه الصّلاة والسّلام كان يقرأ عليهم كتاب اللّه تعالى منظوما مرة بعد أخرى من غير تبديل ألفاظه ولا تغيير كلماته والخطيب من العرب إذا ارتجل خطبة ثم أعادها « 2 » فإنه لا بدّ أن يزيد فيها أو ينقص عنها بالقليل والكثير ، ثم أنه عليه الصّلاة والسّلام مع أنه ما كان يكتب وما كان يقرأ ، كان يتلوا كتاب اللّه من غير زيادة ولا نقصان ولا تغيير ، فكان ذلك من المعجزات وإليه الإشارة بقوله تعالى
سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى
( الأعلى / 6 ) .
والثاني : أنه لو كان يحسن الخط والقراءة لصار متّهما في أنه ربّما طالع كتب الأوّلين فحصّل هذه العلوم من تلك المطالعة فلمّا أتى بهذا القرآن العظيم المشتمل على العلوم الكثيرة من غير تعلّم ولا مطالعة ، كان ذلك من المعجزات وهذا هو المراد من قوله
وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ
( العنكبوت / 48 ) .
الثالث : إنّ تعلم الخط شيء سهل فإن أقل الناس ذكاء وفطنة يتعلّم الخط بأدنى سعي ، فعدم تعلّمه يدل على نقصان عظيم في الفهم ، ثم أنه تعالى آتاه علوم الأوّلين والآخرين وأعطاه من العلوم والحقائق ما لم يصل إليه أحد من البشر ومع تلك القوة العظيمة في العقل والفهم جعله بحيث لم يتعلّم الخط
هامش
( 1 ) لسان العرب مادة أمم .
( 2 ) التفسير الكبير - الرازي 15 / 20 .