تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميسر في علوم القرآن — صفحة 54

مساهمون:

ص٥٤
فسمع النبي وبصره وكل حواسه عند هبوط الوحي هي غيرها عند الحالات العادية الأخرى بمعنى آخر أن الاستعداد الروحي عند النبي لتلقي الوحي وصفاء تكوينه الباطني يجعله مهيّأ لاستيعاب كلام اللّه سبحانه فتلتقي روحه الزكية ونفسه التقيّة بعالم ما وراء المادة لتتشرف بساحة الخطاب العلوي الذي هو محضر عالم الملكوت . ورب سائل يسأل فيقول هل بإمكاننا أن ندرك الوحي النازل على النبي ؟ ذكرنا قبل قليل أن الوحي خصوصية من خصوصيات الأنبياء والرسل ، بل إنه تشريف وتكليف من رب العزّة لخيار البشر الذين ارتضاهم رسلا لأممهم ومصلحين ربانيين لأقوامهم وهذا المصلح الرّباني إنما لخصوصيات أخرى في نفسه الكريمة انتخبه اللّه من بين سائر الناس لهذا العبء الشريف . والروح الطاهرة عند الأنبياء وأنفسهم الزكية جعلتهم يرتبطون باللّه . . . ارتباطا خفيا لا يمكن أن يبصره الناس ، لأن ذلك الارتباط خارج عن إطار المادة وحدودها الكثيفة ، كما أن عالم الروح عالم يسمو عن الواقع المادي وعلاقة الوحي بالروح إنما هو شيء حتمي لا يمكن إنكاره ، نعم ممكن أن ننظر بعض علامات ذلك الوحي بصورة جليلة على جسد النبي الطاهر كتصبب العرق في اليوم البارد ، واحمرار وجهه الشريف ، وأمثال ذلك ، وهذا إنّما هو من باب آثار الوحي وعوراضه المتبقية في جسد النبي وسرعان ما تزول ، فالوحي إذا قلنا إنه ظاهرة روحية يحس به الموحى إليه إحساسا وجدانيا مفاجئا . نقول إنما هذا الإحساس يأتيه من خارج كيانه المادي لكون الذي ينزل عليه ، صادرا من ساحة قدسية ومكان رفيع وهو الملأ الأعلى هابط إلى مقر صالح زكي ونفس طاهرة . فكل ما يمكن أن يقال عن ظاهرة الوحي إنما هو وصف نصفه بتعابير مجازية وألفاظ لا تعدو التشبيه أو الكناية أو المجاز ، أما حقيقة فذاك من مختصات علّام الغيوب المطلق في وجوده غير محدود في قدراته ، أما سائر المخلوقات من البشر لا يمكن أن يدركوا أبعاد تلك الظاهرة ولا كيفيّتها ، طالما تحدّهم المادة بكل أبعادها ، وإن أحاسيسهم لا تسموا إلى عالم المثل أو إلى ما وراء الطبيعة المادية .