تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميسر في علوم القرآن — صفحة 221

مساهمون:

ص٢٢١
تحكي عن الوعيد ، ووعيد اللّه سبحانه لا يمكن أن يتخلّف بل قوله الحق والصدق ، فكل تهديد أو وعيد حتمي الوقوع وإذا كان كذلك فلا يدخله نسخ . من موارد هذا النوع : قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ
[ التوبة / 34 ] . تسمى هذه الآية بآية الكنز ، قالوا في قوله تعالى :
وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ . . .
منسوخة بآية الزكاة وهو قوله تعالى :
خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها
[ التوبة / 103 ] . الكنز في الأصل هو الشيء الذي جمع بعضه إلى بعض ، والذين يكنزون الذهب والفضة والمال ولا يؤدّون زكاته سوف يعاقبون عليه . روي عن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم أنه قال كل مال لم تؤدّ زكاته فهو كنز ، وإن كان ظاهرا ، وكل مال أدّيت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونا في الأرض . وعلى هذا فالعبرة ليس بدفن المال حتى يصدق عليه الكنز بل ما أدّيت زكاته أو لم تؤدّه . فالمتعيّن عند أهل التفسير أن المراد من الكنز هم ما نعوا الزكاة من هذه الأمّة « 1 » . ظاهر آية الكنز أن صاحب المال عندما يمتنع من تزكية ماله فإن امتناعه من دواعي البخل والحرص الشديد وهو الذي سيورده في العذاب الأليم ، لا كما فهمها الآخرون أي ينفق كل ما لديه بعد إخراج مؤنته ليومه وليلته ، وقد ادّعى بعضهم أن ذلك كان في أوّل الإسلام ثم نسخ بالزكاة . غير أنك تعرف إنما الأحكام تسلسلت من الخفيف والبسيط إلى الثقيل ، أما انفاق كل مسلم ما عنده في بدء إسلامه أمر غير معقول ، بل إن ذلك سوف يكون منفّرا للعرب الجاهلين ويمنعهم من الدخول في الدين الحنيف بل إن الأحكام التكليفية الأخرى هي كذلك تبدأ بالأيسر ثم تتدرج إلى أن تأمر بالأثقل ، وهل يوجد أمر أطيب وألذ من جمع المال عند أولئك ؟ فكيف يصدق إنفاق كل ما لديهم ؟ !
هامش
( 1 ) مجمع البيان 5 / 26 .