لهذا عدّوا الآية منسوخة بآية النساء . على أنك تجد في آية البقرة الحديث فيها عن بني إسرائيل الذين ادعوا أن النار لا تمسهم . . وأصل الآية :
وَقالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ ، بَلى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
.
ثم الآية التي بعدها هي :
وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ
[ البقرة / 82 ] .
فلا بدّ أن يكون تقابل بين « من كسب سيئة » وقوله :
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ
حتى يكون التقابل أيضا في الجزاء فمن كسب سيئة جزاؤه جهنم خالدا فيها في مقابل من آمن وعمل صالحا فله الجنة خالدا فيها .
ولمّا لم يكن في آية البقرة أمر أو حكم شرعي فرعي فلا يصح أن تكون آية النساء ناسخة لها لأن الأولى إخبارية محكمة .
ومن أمثلة هذا النوع : قالوا في الآية :
وَما عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلكِنْ ذِكْرى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ
[ الأنعام / 69 ] . إنها منسوخة بقوله تعالى :
وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتابِ أَنْ إِذا سَمِعْتُمْ آياتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِها وَيُسْتَهْزَأُ بِها فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ، إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ . إِنَّ اللَّهَ جامِعُ الْمُنافِقِينَ وَالْكافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً
[ النساء / 160 ] .
ادعى بعضهم هذه الآية ناسخة للآية السابقة وسند هذا الادّعاء أحد التابعين وهو جويبر بن سعيد الأزدي البلخي عن ابن عباس . أما جويبر - فكما ذكروا في حقه - أنه ضعيف جدا ومتروك الحديث . ونقل ابن الجوزي دعوى النسخ عن سعيد بن جبير وغيره . . . فالآية - من سورة الأنعام - ليس فيها أمر ولا حكم شرعي ، بل هي أخبار ولا يجوز النسخ في الإخبار .
أضف إلى ذلك أن موارد عديدة في دعوى النسخ منسوبة إلى رواة لا إلى الشارع المقدس ، كما أن جملة من الرواة ضعفاء متروكين لا يعتد بأخبارهم .
7 - آيات الوعيد :
آيات عديدة ادعوا فيها النسخ وإن كان فيها أمر أو نهي إلا أنها آيات