تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الميسر في علوم القرآن — صفحة 213

مساهمون:

ص٢١٣

« الموازنة بين الناسخ والمنسوخ »

بعد ما عرفنا معنى النسخ وهو الإزالة وإبدال حكم شرعي بآخر ، يرد موضوع آخر وهو لمّا كانت الأحكام فيها ناسخ ومنسوخ ، فهل يكون النسخ بالمساوي أو أن الناسخ أثقل من المنسوخ أو أنه دائما أخف منه ؟ اتفق العلماء في كون جواز النسخ بالمساوي كما وقع بالأخف وأن في قوله تعالى :
ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْها أَوْ مِثْلِها
إشارة إلى القسمين . إن الأفضلية المستفادة من الآية والأمثلية لا تتصور في اللفظ بل إن ذلك حاصل في الحكم الذي يكون بناء التفاضل فيه بقدر ما فيه من التخفيف والتيسير أو الثواب والأجر ، بمعنى آخر كل تغير أو تبديل أو إزالة حكم إلى حكم آخر على كونه حكما تكليفيا يجب التعبد به فهو بحدّ ذاته يتضمن الأجر والثواب وهكذا كل العبادات مع وجوبها ، فيها أجر ادّخره سبحانه لعباده لامتثالهم أوامره وتعبدهم بها . فالأفضلية والأمثلية هي متحقّقة في كل الحالات سواء كان الناسخ مساويا للمنسوخ أو أخف منه أو أثقل ! فمن صور نسخ الأخف بالأثقل إيجاب القتال بعد تركه حيث قوله تعالى :
وَدَعْ أَذاهُمْ
سورة الأحزاب آية 48 أي أذى الكفار والمنافقين . ومعلوم أن الإذن بالقتال أشدّ وأثقل من الأذى المحتمل وقوعه . ثم نسخ الحبس للنساء الزانيات بالحد لغير المحصنة وبالرجم للمحصنة . وهكذا نسخ إيذاء الرجال الزناة بالحد . فإن الحد والرجم أثقل من الحبس والإيذاء وربّما اعترض قوم على هذا النوع من النسخ بل أنكروه واستدلّوا بجملة من الآيات منها : قوله تعالى :
يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ
سورة البقرة آية 185 وقوله :
وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ
سورة الحج آية 78 وقوله :
يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً
سورة النساء آية 48 . إن مورد هذه الآيات وأمثالها إنما هي خطاب للمؤمنين لمن يرعى حدود اللّه ولا يتجاوز عليها ، فهي واضحة في دلالتها وليس مما يستدل على عدم نسخ الأخف بالأثقل . ثم المأثور من أهل بيت العصمة في كون الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ، وحفّت الجنّة بالمكاره ، وأمثال ذلك كثير دليل على وقوع النسخ في الأخف ومجيء الأثقل .