رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : يا أيّها الناس إنكم في دار هدنة وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع وقد رأيتم الليل والنهار والشمس والقمر يبليان كل جديد ويقرّبان كل بعيد ويأتيان بكل موعود فأعدّوا الجهاز ، قال فقام المقداد بن الأسود فقال : يا رسول اللّه وما دار الهدنة ؟ فقال : دار إبلاغ وانقطاع فإذا التبست عليكم الفتن كقطع الليل المظلم فعليكم بالقرآن فإنّه شافع مشفّع ( مقبول الشفاعة ) وماحل « 1 » مصدّق ومن جعله أمامه قاده إلى الجنة ، ومن جعله خلفه ساقه إلى النار ، وهو الدليل يدل على خير سبيل ، وهو كتاب فيه تفصيل وبيان وتحصيل ، وهو الفصل وليس بالهزل ، وله ظهر وبطن ، فظاهره حكم وباطنه علم ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له تخوم وعلى تخومه تخوم لا تحصى عجائبه ولا تبلى غرائبه فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة ودليل على المعرفة لمن عرف « 2 » الصفّة فليجل جال بصره وليبلغ الصفة نظره ينج من عطب ويتخلّص من نشب ( إذا وقع فيما لا مخلص منه ) فإن التفكير حياة قلب البصير ، كما يمشي المستنير في الظلمات إلى النور فعليكم بحسن التخلّص وقلّة التربص « 3 » .
في الحديث الشريف نكات جليلة نقف عند بعضها للفائدة ورجاء لإصلاح ما فسد عند الناس .
أولا : ذكر الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم إن هذه الدنيا بمثابة عقد قصير ومكث يسير فشبّه ذلك العقد القصير بالهدنة وهي التي تعقد بين الطرفين المتخاصمين وسرعان ما ينحلّ أما إلى صلح أو حرب لأن الهدنة عبارة عن سكوت وهدوء في المخاصمة بين طرفين ما ، وهكذا الدنيا فإن الإنسان مسكوت عن ذنوبه ومعاصيه حتى يأتي أجله ويحين أوانه فينتقل إلى الرفيق الأعلى وهناك يجد ما قدّم ، فيثاب على ما فعله من الخير ويحاسب على ما فعله من الشر .
ثانيا : تضمّن الحديث الشريف صورة حقيقية وواضحة عن معالم الإنسان المتنقّل من حالة إلى أخرى عبر مراحل الامتحان والابتلاء وكان خير وصف له أن مثّله بالمسافر وإن راحلته سريعة به إلى غايته القصوى ومثواه الأبدي ( وأنتم على ظهر سفر والسير بكم سريع . . . ) .
هامش
( 1 ) ماحل - محل به إذا سعى به إلى السلطان
( 2 ) تفسير العياش 1 / 3 وتفسير البرهان 1 / 7 وتفسير الصافي 1 / 9 .
( 3 ) الكافي 2 / 599 .