والمنسوخ لا يعمل به ولا ينتهى إليه . . . « 1 » .
« النسخ عند اليهود »
اتّفقت مذاهب اليهود على قول واحد مفاده أن الشريعة الإسلامية لم تنسخ شريعتهم أما موقفهم من النسخ فهم على ثلاث فرق :
1 - الفرقة الشمعونيّة « 2 » : تنفي النسخ عقلا ونقلا .
2 - الفرقة العنانية : مؤسّسها عنان بن داود ، ذهبت هذه الفرقة إلى جواز النسخ عقلا ، إلّا أنه لم يقع .
3 - الفرقة العيسوية : مؤسّسها أبو عيسى إسحاق بن يعقوب الأصفهاني ، هذه الفرقة مذهبها في النسخ أنه جائز في حكم العقل وأنه قد وقع فعلا . إلّا أنها أنكرت الشريعة الإسلامية ، وادّعت أنها شريعة خاصة بالعرب ، ولم تكن لكافة الناس ، لذا لم تنسخ شريعة موسى عليه السّلام .
من الواضح جدا أن اليهود عندما ينفون النسخ إنّما ينفونه لغاية في أنفسهم ، ولما يصبون إليه من كيد ودسيسة ، بل تواصوا فيما بينهم في الوقوف أمام كل شريعة وصدّها عن السبيل إبقاء على مصالحهم الدنيوية لا غير .
لهذا كانت الشمعونية من فرق اليهودية الغالية بحيث ترى استحالة وقوع النسخ عقلا ، وهذا يعني أن شريعتهم لم تنسخ ولن تنسخ !
وقد شبّه اليهود النسخ بالبداء . ولمّا كان البداء - عندهم يستحيل وقوعه ، إذن النسخ هو الآخر لا يجوز وقوعه ، بل أنكروا أشد إنكار على من قال بالنسخ ، وذهبوا يستدلّون على صحة ذلك بمبدإ الحسن والقبح العقليّين .
فالشمعونيّة ادّعت أن الحكم الأول ( المنسوخ ) أما إن يكون حسنا ، فرفعه والنهي عنه قبيح . وأما أن يكون ذلك الحكم قبيحا فابتداء شرعه بالقبيح أقبح .
هكذا بنوا استدلالهم على المغالطة ، بل هي شبهة مبنيّة على كون الحسن والقبح صفتين ذاتيّتين للأفعال .
هامش
( 1 ) جامع بيان العلم وفضله 2 / 35 .
( 2 ) نسبة إلى شمعون بن يعقوب مؤسس مذهبهم .