« حكمة النسخ »
من أبرز ما يعقله الإنسان في وجوده أنه ينمو ويكبر ويعقل فيدرك الأمور بمنظار عقلي ، وهذه النشأة سنّة اللّه ولا تبديل لسنّته ، وقد كان في علمه الأزلي - كما أراد - أن يخلق الإنسان ليعبده لا يشرك به أحد ، فجعله يمرّ بمراحل تكوينه ضمن أطوار لا يحيد عنها كل فرد ، ثم قدّر له ما يصلحه في كل مرحلة ينشأ فيها ، فما كان من لطفه إلّا أن يهديه السبيل ويعلّمه الخير ويجنّبه الشر ، وهذا أوجب على نفسه الرحمة فأرسل الأنبياء مبشّرين ومنذرين يهدون الناس بأمره ، فصاغ لهم في كل مرحلة ما يصلحهم ويربّيهم وكان في علمه - منذ الأزل - أن قانون الحياة يسير وفق متطلبات الأفراد فقد راعى سبحانه جانب الضعف والقوّة عند الإنسان الذي خلق ضعيفا فحكمته اقتضت أن يولد الإنسان عاريا من كل معرفة ثم يتدرّج في اكتسابها إلى أن يشد أزره ويملّكه من القوى العقلية بحيث يستخدمها في النفع والخير وذلك منوط في قانون صاغه المولى قبل أن يخلق الوجود وأودع في ذلك النظام الدقيق المتناهي في الدقة والحكمة كل ما يصلح شأن الإنسان ثم أظهر ما أراد على لسان وحيه المنزل على أنبيائه ورسله الأبرار .
فما نسخ الشرائع إلّا لسير البشرية نحو التكامل ، ثم النسخ في كل شريعة دليل على وحدانية اللّه تعالى ، العالم بكل جزئيات الخلق ، البصير بعباده ، الرؤوف بهم ، المشفق عليهم .
« سبب الاختلاف في النسخ »
القرآن الكريم يؤكّد ورود النسخ في عدّة آيات ولا شكّ لأي باحث في ذلك ، كما أن زمان ورود النسخ هو زمان نزول الوحي أما بعد انقطاع الوحي فلا نسخ ولا يحق لأحد أن ينسخ حكما من أحكام القرآن أو السنّة النبويّة ، بمعنى آخر : لا اجتهاد في النسخ بل هو شيء توقيفي ، كل ما نصّ عليه سبحانه وتعالى أو ما أقرّه الرسول صلّى اللّه عليه وآله وسلّم غير أن خطابات القرآن الكريم لما كان البيان فيها يجري وفق الأسلوب البلاغي الرفيع الذي لا يرقى إليه أي أسلوب ، فقد اختلف علماء المسلمين - على مرّ العصور - في تحديد جملة من معاني تلك الخطابات ، بل التبس عليهم الأمر في فهم الآية الواحدة ، التي قد يكون