تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المدخل لدراسة القرآن الكريم — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
وإليك بعض ما قاله العلماء في هذا . أخرج ابن وهب قال : سمعت مالكا يقول : إنما ألف القرآن على ما كانوا يسمعون من النبي صلى اللّه عليه وسلم . وقال مكي بن أبي طالب القيسي وغيره : ترتيب الآيات في السور بأمر من النبي صلى اللّه عليه وسلم ، ولما لم يأمر بذلك « 1 » في أول
بَراءَةٌ
تركت بلا بسملة . وقال القاضي أبو بكر : ترتيب الآيات أمر بذلك واجب ، وحكم لازم ، فقد كان جبريل يقول : « ضعوا آية كذا في موضع كذا » ، وقال أيضا : الذي نذهب إليه أن جميع القرآن الذي أنزله اللّه وأمر بإثبات رسمه ولم ينسخه ، ولا رفع تلاوته بعد نزوله هو هذا الذي بين الدفتين ، والذي حواه مصحف عثمان ، وإنه لم ينقص منه شيء ولا زيد فيه ، وإن ترتيبه ونظمه ثابت على ما نظمه اللّه ، ورتبه عليه رسوله من آي السور ، لم يقدم من ذلك مؤخر ولا أخر منه مقدم ، وإن الأمة ضبطت عن النبي صلى اللّه عليه وسلم ترتيب آي كل سورة ومواضعها ، وعرفت مواقعها ، كما ضبطت عنه نفس القراءات وذات التلاوة ، وأنه يمكن أن يكون الرسول قد رتب سوره وأن يكون وكل كل ذلك إلى الأمة بعده ، ولم يتولى ذلك بنفسه ، قال : وهذا الثاني أقرب .

ترتيب الآي ليس على حسب النزول :

ومن المجمع عليه أن ترتيب الآيات ليس بحسب نزولها وإنما يرجع إلى المناسبات والروابط البلاغية فقد تنزل الآية بعد الآية بسنين وتكون في ترتيب الكتابة قبلها . وليس أدل على هذا من تقدم بعض الآيات الناسخة على الآيات المنسوخة ، مع أن الناسخ متأخر عن المنسوخ في النزول قطعا ، وذلك مثل آية :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً
فإنها ناسخة لآية :
وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْواجاً وَصِيَّةً لِأَزْواجِهِمْ مَتاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْراجٍ
فالأولى متقدمة في الترتيب متأخرة في النزول . وفي الأثر عن محمد بن سيرين قال : قلت لعكرمة : ألفوه - أي :
هامش
( 1 ) يعني لم يأمر بكتابة البسملة .