تغايرا بعيدا ، فالمنتصرون في القراءة المشهورة هم المنهزمون في القراءة المخالفة ، والفعل المبني للفاعل في الأولى مبني للمفعول في الثانية ، وإذا فهما قراءتان ، وتأويلان لجملة واحدة من كلام اللّه متعارضان إلى أبعد مدى . انتهى .
وأقول : تضمنت هذه المقالة الأمرين الآتيين :
1 - إن الإخبار بأن الروم ستغلب الفرس كان على وجه الرجاء والأمل من النبي صلّى اللّه عليه وسلم لا على وجه الثقة واليقين ، ومعنى هذا أن الآية ليس فيها إخبار بالمغيب حتى تكون آية باهرة دالة على صدق نبوة سيدنا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وعلى أن القرآن من عند اللّه تعالى ؛ لأن من حق كل إنسان أن يرجو ما يشاء ، وتطمع نفسه في أي مرغوب ، لا حجر عليه في ذلك ما دام لا يعدو في رجائه الممكن ، ولا تطمع نفسه في المستحيل .
2 - أن بين القراءتين تناقضا ظاهرا حيث إن القراءة الثانية جعلت المغلوب في القراءة الأولى غالبا ، وجعلت الغالب في القراءة الأولى مغلوبا ، وهذا تناقض بيّن .
أما الأمر الأول : فهو باطل ومردود ؛ إذ ليس في الآية كلمة واحدة تدل على رجاء ، أو تشعر بأمل ، أو تلوح بتمنّ ، وإنما هي خبر جازم ، خبر المخبر الواثق المتيقن أن مضمون خبره