تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
وتلقّاها عنه أصحابه ، ومن بعدهم أئمة السّلف ، وهي تنتمي إلى أمهات قواعدية لما يتيسر من يجمعها بعد - أي في زمن الخليل - وأنها لدى جمعها وضبطها ترتد إلى سبعة مناهج ، وفق حديث النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم : « إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف » . وهذا الفهم لرأي الخليل هو اللائق بمكانته ومنزلته العلمية ، وهو المتصور في ثقافته ومعارفه زمانا ومكانا ، وبه تدرك أنه لم يكن يجهل أن عصر الأئمة متأخر عن عصر التنزيل ، وهو أمر لا يجهله أحد . وكذلك أشير هنا إلى رأي شيخ المفسّرين ، الإمام الطبري « 1 » ، الذي كان يرى أن الأحرف السبعة منهج في الإقراء أذن به النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم زمنا ثم نسخه قبل أن يلقاه الأجل ، وهكذا فقد مات النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم وليس بين الناس إلا حرف واحد ، وأن هذه القراءات المتواترة اليوم مهما بلغت كثرة إنما تدور ضمن هذا الحرف الواحد الذي أذن النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم بالإقراء والرواية به « 2 » . ومن أدلّته على نسخ الأحرف السبعة أنها لو كانت قرآنا باقيا لم تكن لتخفى عن الأمة بعد أن تعهّد اللّه سبحانه بحفظ كتابه العظيم في قوله :
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ
[ الحجر : 15 / 9 ] ، وكذلك حصول الاختلاف في فهمها ، وتحديد المراد بها ، وقد قال اللّه سبحانه :
وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
[ النّساء : 4 / 82 ] . ومن أدلّته على ذلك أن المروي عن السّلف في الأحرف السبعة لا يتفق والرسم القرآني ، فلم يكن ثمة مندوحة من القول بنسخ ذلك ، وقد نقل مكي بن طالب القيسي في الإبانة رأي الطبري فقال : « يذهب الطبري إلى أن الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن إنما هي تبديل كلمة في موضع كلمة ، يختلف الخط بهما ، ونقص كلمة ، وزيادة أخرى ، فمنع خط المصحف المجمع عليه مما زاد على حرف واحد لأن الاختلاف - عنده - لا يقع إلا بتغيير الخط في رأي العين .
هامش
( 1 ) ابن جرير الطبري ( 224 - 310 ه ، 839 - 923 م ) . هو محمد بن جرير بن يزيد الطبري ، أبو جعفر ، المؤرّخ المفسّر الإمام ، ولد في آمل في طبرستان ، واستوطن بغداد وتوفي بها ، وعرض عليه القضاء فامتنع ، والمظالم فأبى ، له كتاب : ( أخبار الرّسل والملوك ) ، ويعرف بتاريخ الطبري في ( 11 ) جزءا ، و ( جامع البيان في تفسير القرآن ) ، وله أيضا : ( اختلاف الفقهاء ) ، و ( المسترشد ) في علوم الدين ، و ( جزء في الاعتقاد ) ، و ( القراءات ) ، وغير ذلك ، وهو من ثقات المؤرّخين . قال ابن الأثير : أبو جعفر أوثق من نقل التاريخ ، وفي تفسيره ما يدلّ على علم غزير وتحقيق . وكان مجتهدا في أحكام الدين لا يقلّد أحدا بل قلّده بعض الناس وعملوا بأقواله وآرائه . الأعلام 6 / 69 . ( 2 ) انظر مناهل العرفان للزرقاني 1 / 179 .