تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
فالقراءات التي في أيدي الناس اليوم كلها عنده حرف واحد من الأحرف السبعة التي نصّ عليها النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وستة الأحرف الباقية قد سقطت ، وبطل العمل بها بالإجماع على خط المصحف المكتوب على حرف واحد » « 1 » . وقد لخص الطبري مذهبه بقوله : « فلا قراءة اليوم للمسلمين إلا بالحرف الواحد الذي اختاره لهم إمامهم الشفيق الناصح دون ما عداه من الأحرف الستة الباقية » « 2 » . والخلاصة أن اختيار الطبري متجه إلى أن الأحرف السبعة رفعت من القرآن الكريم ، وأنها كانت إذنا من اللّه عزّ وجلّ يتضمن التخفيف عن الأمة حتى إذا هدمت حواجز كثيرة كانت تحول بين قبائل العرب ، ردّهم اللّه عزّ وجلّ إلى حرف واحد ، ولكنه أذن أن يقرأ هذا الحرف بلهجات مختلفة هي القراءات التي ثبتت إلى المعصوم صلّى اللّه عليه وسلّم تواترا وأداء . وقد نصّ الطّبري على هذا التّعليل بعينه حين قال : « فاستوسقت « 3 » له الأمة على ذلك بالطاعة ، ورأت أن فيما فعل من ذلك الرشد والهداية ، وتركت القراءة بالأحرف السّتة التي عزم عليها إمامها العادل في تركه ، طاعة منها له ، ونظرا منها لأنفسها ولمن بعدها من سائر أهل ملّتها ، حتى درست من الأمة معرفتها وتعفت آثارها ، فلا سبيل اليوم لأحد إلى القراءة بها لدثورها وعفو آثارها ، وتتابع المسلمين إلى رفض القراءة بها من غير جحود منهم لصحتها وصحة شيء منها ، ولكن نظرا منها لأنفسها ولسائر أهل دينها » « 4 » . وبعد تفصيل رأي الفراهيدي ، واختيار الطبري أضع بين يديك اختيار الجمهور ، فقد رأى جمهور المفسّرين أن الأحرف السبعة باقية في التنزيل ، وقد استوعبتها المصاحف العثمانية ، وما هي إلا تحديد لوجهة الاختلاف في أداء الكلمة القرآنية ، وفق ما أذن به النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم . وقد اعتبر الإمام أبو الفضل الرازي « 5 » ممثلا لرأي الجمهور ، وقد نهج من جاء بعده على منواله في اختياره ، وننقل لك هنا اختياره كالتالي : الكلام لا يخرج عن سبعة أحرف في الاختلاف :
هامش
( 1 ) الإبانة من معاني القراءات لمكي بن أبي طالب القيسي ص 32 . ( 2 ) تفسير الطبري 1 / 62 ، وانظر الإبانة لمكي بن أبي طالب ص 50 . ( 3 ) كذا في الأصل ، ولعلها فاستوثقت . ( 4 ) الإبانة لمكي بن أبي طالب ص 50 . ( 5 ) أبو الفضل الرازي : هو الإمام الكبير ابن شاذان المتوفى سنة 290 ه . ومن العجيب أن الأمة اعتمدت على اختيار الرازي