تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥

وثمرة الخلاف :

أن القرآن قرر أن قضاء التّفث مقصد يسعى إليه الحجاج ، وذلك قبل أن ينزل فيه تشريع ، ثم أمر بذلك ، فأصبح قضاء التّفث نسكا شرعيّا مأمورا به ، زيادة على كونه عادة الحجيج من العرب فيما توارثوه عن إبراهيم . فكأنما القراءة الأولى جاءت تذكيرا بما تعودته العرب ، ثم جاءت الثانية بالتكليف به ليكون الأمر أوقع في النفوس ، وآنس للاستجابة ، وأدنى إلى القبول . وأما تحرير معنى التّفث المأمور بقضائه فقد تعدّدت فيه الأقوال تعدّدا كثيرا ، ولم يسمع فيه شعر عربي « 1 » ، ولكن روي في تفسيره نصّ لو سلّم إسناده لقطع كل خلاف ، وهو ما رواه ابن عمر وابن عباس أن التّفث مناسك الحجّ كلها « 2 » ، وقال ابن العربي « 3 » : لو صحّ عنهما لكان حجة لشرف الصحبة والإحاطة باللغة ، قال : وهذه اللفظة غريبة لم يجر أهل العربية فيها شعرا ، ولا أحاطوا بها خبرا « 4 » ، لكني تتبعت التّفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال : إنه قص الأظافر ، وأخذ الشارب ، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح . قال : ولم يجئ فيه بشعر يحتجّ به « 5 » .
هامش
( 1 ) نقلا عن أحكام القرآن لابن العربي 3 / 1283 ، ولكن ستجد بعد قليل أن ثمة شعرا فيه لفظ التّفث من كلام أمية بن أبي الصّلت ، وهو أهل للاحتجاج . ( 2 ) انظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي 12 / 49 . ( 3 ) انظر أحكام القرآن للقاضي أبي بكر بن العربي 3 / 1283 . ( 4 ) قال ابن منظور في لسان العرب مادة ( تفث ) : قال الزجاج : لا يعرف أهل اللغة التّفث إلا من التفسير . كذا نقل ابن العربي عن أبي عبيدة ، وكذلك نقل القرطبي عن أبي عبيدة ، ولدى مطالعة ما دونه أبو عبيدة في كتابه : مجاز القرآن ، لم أجد عبارة القرطبي ، وإنما تمام ما قاله أبو عبيدة :ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْوهو الأخذ من الشارب ، وقصّ الأظفار ، والاستحداد ، وحلق العانة . اه بتمامه . انظر مجاز القرآن لأبي عبيدة ، ط مؤسسة الرسالة 2 / 50 . ( 5 ) وقد وهم القرطبي أيضا في نقله عن القاضي ابن العربي فزعم أنه قال : « وقال أبو عبيدة : لم يجئ فيه شعر يحتج به » . والحق أن ابن العربي لم يقل ذلك ، وأن أبا عبيدة لم يقل ذلك ، وغاية الأمر أن ابن العربي قال : ولم يجئ فيه بشعر يحتجّ به . وفرق كبير بين عدم إيراد أبي عبيدة لبيت من الشعر ، وبين تصريحه بعدم وجود ذلك . ولست أدري ما الفائدة من إطالة القرطبي في النقل عن ابن العربي ، وعدم إعلام القارئ مبتدأ النقل ومنتهاه ، إضافة إلى التّصرف ببعض المنقول تصرفا مخلّا كما تجد هنا .
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 275 | محمد الحبش