تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 278

مساهمون:

ص٢٧٨
والآية عامة في وجوب إيتاء ذوي العقود حقوقهم فيما عاقدوا فيه ، وقد أورد الإمام البخاري توجيها لمعنى الآية وفق سبب نزولها : « عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ( ولكل جعلنا موالي مما ترك الوالدان والأقربون والذين عاقدت أيمانكم ) قال : كان المهاجرون حين قدموا المدينة يرث الأنصاري المهاجريّ دون ذوي رحمه ، للأخوّة التي كان النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم جعلها بينهم ، فلما نزلت :
وَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ
قال : نسختها ( والذين عاقدت أيمانهم ) » « 1 » . وعلى اختيار البخاري هذا جرى أهل التفسير ، فصرحوا بأن هذه الآية منسوخة ، ولا نزاع في ذلك بحسب الظاهر ، لكن ينبغي أن يحتاط في إطلاق النّسخ ، فيجب القول هنا : إن الآية منسوخة من جهة دلالتها على توريث الإخوة في الدين ، ولكنها باقية في الدلالة على نصرتهم وحمايتهم وموالاتهم ؛ إذ النّص في الكتاب العزيز لم يخصّ على إيتاء المال دون سواه ، فحيث جاء النّسخ على فرد من أفراد المأمور به ، تعين أن الحكم باق فيما سواه من أفراده . وهكذا فإنه لا مساغ للجزم بوجود النّسخ ، لإمكان الجمع بين النصوص ، ولأن دلالات العام هنا كثيرة ، وأغلبها باق محكم ، كحق المعاقدين في الوفاء بعقودهم من النصرة والولاية والنصيحة والتراحم ، خلافا لما جزم به أبو زرعة في الحجة « 2 » .

ثمرة الخلاف :

إن حقّ من تنالهم عقود الأيمان في الوفاء مؤكد بلا ريب كما شملته الآية في حدود ما لم يطله الناسخ . ولكن هل هذا الحق لمن انعقد حلفه بيمين العاقد وحده دون الحاجة لتحرير إقرار المعقود له ، أم لا بدّ من تعاقد بين طرفين ؟
هامش
( 1 ) البخاري في الصحيح ، انظر فتح الباري بشرح صحيح البخاري ، ط دار المعرفة 12 / 29 . ولا شك أنه قد آثار عندك إشكالا قوله : نسختها ( والذين عاقدت أيمانكم ) إذ يوهم ظاهر العبارة خلطا بين الناسخ والمنسوخ . قال ابن حجر : قال ابن بطال كذا وقع في جميع النّسخ : نسختها ( والذين عاقدت أيمانكم ) ، والصواب أن المنسوخة والذين عاقدت أيمانكم والناسخةوَلِكُلٍّ جَعَلْنا مَوالِيَ. انظر فتح الباري 12 / 29 . وكذلك نقل القرطبي كلام ابن بطال 5 / 166 . وجلّ من لم يختصّ بالعصمة إلا كتابه سبحانه . ( 2 ) انظر حجة القراءات لأبي زرعة 202 .
القراءات المتواترة وأثرها في الرسم القرآني والأحكام الشرعية — صفحة 278 | محمد الحبش