تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
الكتاب ويلقى الوحي على نبيه الأمى وهو يسوق الأنفس البشرية إلى الأرض فاستمعت الجبال مع البشر إلى كلام اللّه واحتفظت به فصارت بذلك مستودعات يحفظ فيها وحى الله أو هي خزائن مسجل فيها كلمات اللّه ومن هنا يجد الأنبياء أنفسهم مدفوعين إلى أحضان الجبال فإنها الأماكن الجديرة حقا بتذكر كلام اللّه . لقد كانت الجبال هي الشاهد الوحيد على الأرض لكلام اللّه القديم وهي التي شهدت تحمل الإنسان « للأمانة » لما عرضها اللّه حين بدأ الكشف عن علمه . انظر إلى قوله :
إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُوماً جَهُولًا
( 72 ) « 1 » . الأمانة هي « خلافة اللّه » التي تتضمن الالتزام بشريعته مقابل تسخير الأشياء لخدمة الخليفة وعرض الأمانة يعنى بيان الشريعة وإظهار إرادة اللّه في أن يجعل له خليفة يكون سببا للكشف عن « علم اللّه » وتتحقق به مشيئة اللّه في أن يعرف فهذا الخليفة المنتظر يكون إذن وسيلة وموضع التجلي الأعظم الذي تكتمل فيه معرفة اللّه . ذلك العرض وقع مع بدء الوحي في أول الدنيا حيث لم يكن على الأرض من المخلوقات إلّا الجبال فاستمعت مع السماوات والأرض إلى كلام اللّه وعقلته واستطاعت بتوفيق اللّه أن تدرك ثقل المهمة الملقاة على الخليفة وعظم العذاب الواقع عليه عند المخالفة فأسرعت مدفوعة بسجيتها المحبة للنجاة ترفض العرض وتعتذر عن حمل الأمانة التي أدركت أنها لن تستطيع أداء تكاليفها الأمر الذي سيكلفها معاناة العذاب العظيم . لقد استثقلت الجبال مع السماوات والأرض « الأمانة » وطلبن بلسان الرفض الخلاص منها رحمة بأنفسهن . . . هذه هي الشفقة التي استولت عليهن وفرضت عليهن الرفض مع الإصرار على عدم قبول العرض وهذا هو معنى الإباء الذي أظهرته الجبال والأرض والسماوات انسياقا واستجابة لحقيقتهن الخاصة الباطنة في كيانهن . لم يكن في هذا الرفض أي معصية لأن الأمر كان عرضا لا تكليفا يعنى اختيارا لا إلزام فيه حيث سمح لكل كائن أن يعبر عن حقيقته الذاتية دون إجبار أو قهر . لذلك فقد أسرع الإنسان يقبل العرض وحمل الأمانة بمحض اختياره . كان عرض الأمانة وحملها إشارة البدء ليوم الدنيا . حيث بدأ تجهيز الأرض من جديد وتهيئتها مرة أخرى لاستقبال الإنسان الذي رضى دخول الامتحان العسير الذي فرت من دخوله السماوات والأرض والجبال . . . . . . هطلت
هامش
( 1 ) سورة الأحزاب الآية ( 72 ) .