وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها
« 1 »
وأنزل في الأرض الجبال التي كانت بمثابة ثوابت وضعت فيها وهذه الثوابت جاءتها من فوقها يعنى من جهة السماء التي تحيط بالأرض والتي فصلت عنها بالفتق .
سمى الجبال هنا « رواسي » لتحديد وظيفتها وعيّن كيف تكونت وهذا ما يستحق الالتفات . إنه يقول إن الجبال قد وضعت في الأرض من أعلى أي أنها جاءتها من جهة السماء ونزلت فيها وهذا هو مغزى قوله
مِنْ فَوْقِها
وذلك بعد فصل ( - فتق ) الأرض عن السماء وهي الحقيقة العجيبة التي عاد ليؤكدها في قوله :
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ
« 2 »
وكلمة « ألقينا » تعنى أن اللّه سبحانه وتعالى في حضور « روحه » « 3 » أو بواسطته رمى بالأحجار والصخور من السماء إلى الأرض التي تلقت ما أنزل إليها .
يتخيل الإنسان بحكم الوهم الذي تصنعه المشاهدة المعتادة أن الجبال قد خرجت من الأرض ونبتت فيها كما تنبت الأشجار يعنى من أسفل إلى أعلى ولكن ها هو القرآن يصحح لنا هذا الوهم ويخبرنا في ثقة لا يقدر عليها إلّا الخالق وحده أن الجبال قد نزلت إلى الأرض وألقيت فيها ولم تخرج منها وكان لا بدّ من تثبيت الجبال في الأرض بالضغط عليها من أعلى كما نفعل عند تثبيت وتد في الأرض أو مسمار في جدار . قال :
وَالْجِبالَ أَرْساها
( 32 ) « 4 » .
يعنى ثبتها في قشرة الأرض بالضغط عليها من أعلى حتى رست في مواضعها وصارت تتكون من أجزاء خفية مدفونة تحت سطح الأرض تشبه جذور الأشجار وأخرى ظاهرة تعلو فوق سطح الأرض ونراها بالأبصار وبهذا الصنع الإلهى صارت الجبال حقا أوتادا وهي تشبه الأشجار ولكنها أشجار نزلت إلى الأرض من السماء ولم تخرج منها .
وكلمة « مددناها » الواردة في قوله :
وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ
هامش
( 1 ) سورة فصلت الآية ( 10 ) .
( 2 ) سورة الحجر الآية ( 19 ) . وسورة ق الآية ( 7 ) .
( 3 ) عندما يتكلم الله بصيغة الجمع فيجب أن نفهم أن هذا يشير إلى أن « روحه » الذي كان الأصل في كل شئ قد انبعث من قبضة الغيب إلى نور الشهادة .
( 4 ) سورة النازعات الآية ( 32 ) .