تعنى حركناها يعنى جعلناها متحركة ومن هنا كان لا بدّ من أوتاد تثبّت فيها لضمان عدم اهتزاز قشرتها التي ستنشأ الكائنات الحية عليها وهذا المعنى ( المد - الحركة ) نصل إليه من قوله في سورة الفرقان :
أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا
( 45 ) « 1 » .
جعل المد مقابلا للسكون فأشار إلى أن المد يعنى في لغة القرآن الحركة وعندما يقول :
وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ وَأَنْهاراً
« 2 » .
فهو يقصد أنه هو الذي حرّك الأرض وأنزل فيها جبالا مثبتة فيها وأنهارا تجرى على سطحها . وفي علم الصرف ( - الصوتيات ) والتلاوة فإن « المد » هو عكس « السكون » فتأمل ! ! !
ووظيفة الرواسي ( - الجبال ) هي أن تضمن استقرار الكائنات على قشرة الأرض وتحول بينها وبين الضياع في الفضاء الخارجي لو أنها اهتزت واضطربت حركتها بسبب دوران الكرة الأرضية والجبال إذن هي الأوتاد التي تمسك الكائنات الحية بحبال الجاذبية الأرضية وإلى هذه الوظيفة أشارت أقواله .
وَأَلْقى فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهاراً وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ
( 15 ) « 3 » .
والمعنى أنه أنزل الجبال في الأرض حتى لا تهتز بكم أثناء دورانها الذي لا يتوقف وأنزل الأنهار من مطر السماء لتقوم به الحياة على الأرض وشق الطرق التي تسيرون فيها لكي تصلوا إلى ما تريدون ولم يكن شئ من هذا ممكنا لولا الأوتاد التي ألقاها في قشرة الأرض الدوارة لتثبتكم عليها دون اهتزاز و « أن » هنا تعنى « حتى لا » أو « كيلا » .
وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنا فِيها فِجاجاً سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ
( 31 ) « 4 » .
هنا يتكلم بصيغة الجمع الحاضر ( جعلنا ) ويعبر عن المخلوقات الأرضية كلها بصيغة الغائب « بهم » و « لعلهم يهتدون » والكلام إلى « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم رسول الله والإشارة إلى حضوره الدائم بين يدي الله باعتباره « الروح » الذي كانت به الحياة والسر الذي أظهر كل شئ .
ولذلك أخرجه في الخطاب من زمرة الخلائق المشار إليهم بضمير الغائب « هم » وأدخله في الجمع الحاضر المتكلم « نحن » .
هامش
( 1 ) سورة الفرقان ( 45 ) .
( 2 ) سورة الرعد الآية ( 3 ) .
( 3 ) سورة النحل الآية ( 15 ) .
( 4 ) سورة الأنبياء الآية ( 31 ) .