التي يخبر عنها توشك أن تخترق سمعه وهي تدمر كل شئ في طريقها إلا أن « محمدا » صلّى اللّه عليه وسلم أزاح برفق يده وواصل التلاوة دون أن يلتفت إليه فألقى « عتبة » يديه خلف ظهره معتمدا عليهما ورفع رأسه نحو الوجه الذي يزداد تألقه مع التلاوة حتى وصل إلى موضع السجدة عند قوله تعالى :
وَمِنْ آياتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ( 37 ) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَهُمْ لا يَسْأَمُونَ
( 38 ) . « 1 »
فتوقف ثم سجد في خشوع فأطال السجود و « عتبة » ينظر إليه يحدث نفسه « محال أن يكون هذا الساجد كاذبا » ثم رفع وجهه وقد علته مهابة ووضاءة لا يستطاع اقتحامها فغض عتبة بصره وطأطأ رأسه فقال له الرسول صلّى اللّه عليه وسلم :
« قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك » .
لقد تركه أمام « القرآن » وحده وجها لوجه وطلب منه أن يحكم بنفسه .
قام عتبة متثاقلا لا يدرى إلى أين يذهب . لقد اقتنع أن هذا الكلام لا يشبه شيئا من كلام البشر ومحال أن يكون مشرق الوجه هذا الذي سجد في خشوع كاذبا ولا يعرف كيف سيواجه قومه ولا ما ذا سيقول لهم . قد خاب سعيه والكارثة التي كان يعمل جاهدا على تحاشيها قد صارت الآن حتما مقضيا .
ود أن يفر إلى بيته ليخلو بنفسه ولكن لا مفر من العودة إلى قومه فتقدم إليهم ثقيل الخطى قد بدا على وجهه الأثر الذي أحدثه القرآن في قلبه فقال بعضهم وهم ينظرون إليه : « نحلف باللّه لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به » .
جلس واجما شارد الفكر يتحاشى النظر إلى عيونهم المتفحصة .
قالوا : « ما وراءك يا أبا الوليد ؟ » .
لا مفر . . . . لا بد من إعلان الحقيقة فقال في تؤدة وهو يتحسس الكلمات بعقله قبل أن ينطق بها لسانه : « إني سمعت قولا واللّه ما سمعت مثله قط » .
« يا معشر قريش أطيعونى واجعلوها لي » .
« خلوا بين الرجل وبين ما هو فيه » .
هامش
( 1 ) فصلت الآيتين ( 37 - 38 ) .