فطلبها منها فرفضت لأنه نجس لا يصح أن يلمس صحيفة « مقدسة » فأصابه الذهول فلطمها حتى سال الدم منها إلا أنها أصرت على موقفها فاضطر وقد استبدت به الرغبة في معرفة ما في تلك الصحيفة . . اضطر أن يغتسل فلما تناولها وقرأ مطلع السورة العشرين .
طه ( 1 ) ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 3 ) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى ( 4 ) الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى
( 5 ) . « 1 »
فطوى الصحيفة وهو يطوى الصفحة المظلمة من عمره ويستقبل في نور القرآن فجر حياته الجديدة التي نال بها مكانة لا تزول عنها شمس التاريخ الإنسانى إذ صار واحدا من عظماء البشر والمثل الأعلى للحاكم العادل .
والأعرابي البسيط الذي استمع إلى مقطع من سورة « الحجر » فلما وصل القارئ
( فَاصْدَعْ بِما تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ
( 94 ) . « 2 »
خر ساجدا فلما قام سأله من رآه « أأسلمت ؟ » .
قال « لا ولكن أسجد لبلاغة هذا الكلام » .
والسؤال : هل تأثير « القرآن » ينحصر في « العرب » الذين يتكلمون لغته ويستطيعون تذوق جمالها ومعرفة أسرارها ؟
من المدهش والمثير للتأمل العميق أننا نستطيع أن نلمس التأثير القرآني في قلوب الأعاجم الذين لا ينطقون العربية بالسليقة وبالطبع فهم أقل قدرة على إدراك لطائف لغة الضاد حتى وإن تعلموها .
صحيح أن قراءة القرآن في لغته الأصلية هي الوسيلة المثلى لإدراك بلاغته وفهم معانيه وتذوق جماله كما أقر كل المستشرقين الذين أتيح لهم أن يقرءوا القرآن في العربية بعد أن قرءوه مترجما إذ اعترف الجميع أن الترجمة مهما بلغت دقتها وجمالها وإخلاصها لا بد أن تذهب بحلاوة القرآن الذي يعد ثروة لغوية بل كنزا لا يفنى يستطيع قارئه أن يستخرج ما لا يحصى من المعاني العميقة بالتدبر في ألفاظه وعباراته بل حتى في حروفه مثل حروف جر أو عطف وهو ما لا تستطيع أي ترجمة أن تؤديه . يقول جاك س ريسلر وهو باحث فرنسى وأستاذ بالمعهد الإسلامي بباريس « 3 » :
هامش
( 1 ) سورة طه الآية ( 1 - 5 ) .
( 2 ) سورة الحجر الآية ( 94 ) .
( 3 ) كتاب الحضارة العربية ص 30 - 30 . نقلا عن الملحق الذي أعده الدكتور عماد الدين خليل تحت عنوان « قالوا عن القرآن » والذي أضيف إلى كتاب إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز للأستاذ سعيد النورسى .