كان هذا هو السؤال الذي اجتمع من أجل الإجابة عنه صناديد قريش في ناديهم على مقربة من الكعبة بينما كان « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم يجلس وحده لدى البيت الحرام مطرقا خاشعا فبدا لأعينهم التي تختلس النظر إليه من حين لآخر كما لو كان مستغرقا في تأمل عميق أو ربما ينصت إلى الوحي الذي يزعمه في أعماق قلبه .
كانوا يشعرون في قرارة أنفسهم أن ثمة زلزالا رهيبا تتجمع إرهاصاته في باطن الأحداث المتسارعة التي تفاجئهم كل يوم بمزعج جديد .
لم يعد العنف يجدى ولا الإهانة ولا الاستخفاف . إنهم مضطرون الآن إلى الذهاب إلى طريق وسط بينهم وبينه . عليهم رغم أنوفهم أن يعقدوا صفقة لعل وعسى .
كان « عتبة بن ربيعة » يجلس بينهم يطيل النظر باحثا عن الاتفاق المأمول بين الطرفين المتصارعين صامتا ينقل عينيه بين وجوه سادة قريش التي علتها الكآبة وبين الجالس وحده لدى البيت المحرم ذاهلا عن الدنيا وما فيها غير عابئ بسادة قومه الذين تأكل النار قلوبهم المضطربة .
وارتسمت على وجه عتبة ابتسامة صامتة وشت بأنه قد اهتدى إلى الطريق فقال « 1 » :
« يا معشر قريش » : فانتبهوا . . « ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله أن يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا » ! !
نفس الخواطر التي كانت تجول على استحياء في قلوبهم التي أرهقها الكبرياء فقالوا في صوت واحد وقد تنفسوا الصعداء إذ وجدوا واحدا يقوم بتلك المهمة العسرة على نفوسهم « بلى يا أبا الوليد » .
وأحس أنه قد ورط نفسه وبدا التردد على وجهه فشجعوه حتى لا يتراجع بأصوات مطمئنة .
« أنت يا أبا الوليد قم إليه فكلمه ؛ ولم يكن بد فقام إليه - اقترب منه في هدوء حتى جلس إليه فقال :
« يا ابن أخي »
هامش
( 1 ) القصة التالية هي توفيق بين روايتين الأولى ذكرها الإمام البغوي في تفسيره عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري والثانية ذكرها محمد بن إسحاق في السيرة النبوية عن محمد بن كعب القرظي وذلك نقلا عن تفسير ابن كثير وأعتقد أنها بالسياق الذي هداني اللّه إليه تحمل في بنائها المتماسك ما يؤيد صدقها .