صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ
« 1 »
هذه هي طريقة البناء التي أخرج اللّه بها كل شئ في أحسن صورة .
إذن فهو ينقلنا من الجبال لنرى كل شئ ثم لنرى صانع كل شئ الموصوف بالبارئ أي المتقن الذي أخرج كل شئ إلى نور الشهود في أحسن صورة .
لنتأمل كيف شبه الجبال التي تجسم معنى الثقل والثبات والتماسك في الوجدان الإنسانى بالسحاب الذي بمثل الخفة والحركة وسرعة الزوال ! ! !
وإذا كان تشبيه الجبال بالسحاب قد ألمح كما بينا إلى تركيبها من أجزاء فإنه قد أشار أيضا إلى تفككها وتحلل أجزائها الذي يؤدى إلى اختفائها وزوالها من الإدراك فهي في الحقيقة ليست إلا رسما يمكن محوه أو صورة يجوز عليها الفناء وهو المقام الذي تلوح إليه الآية ووصفه السائرين على الطريق إلى رب العالمين .
ألا تستدعى هذه الآية التي تربط الجبال بالسحاب في السماء إلى فؤاد القارئ جبل التجلي الذي وقف عنده موسى في سيناء طالبا رؤية ربه ! !
فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا
« 2 »
أي تفتت الجبل وزال كيانه أو رسمه لأن الجبل في الحقيقة ليس إلّا بناء هائلا يتكون من أحجار تتجمع وتترابط مع بعضها لتكوين ما يسمى « بالجبل » فإذا تفككت وانحلت روابطها زال الجبل وعاد كأن لم يكن .
وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً
« 3 »
سقط موسى مصعوقا من نور التجلي ورجع موسى حينئذ مثل الجبل كأن لم يكن لأن موسى أيضا ليس إلّا رسما أو بناء هائلا فإذا تفكك وانحل ارتباط « النفس » بالجسد زال الإنسان فعاد الجسد إلى الطين واسترد اللّه « نفسه » .
فَلَمَّا أَفاقَ
« 4 »
من الموت بعودة النفس إلى الجسد الذي قام بقوة « الروح » فقام موسى ووصف ما وقع له
قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
( 143 ) « 5 »
تنزهت عن أن يراك غيرك إذ لا يثبت رسمه عند التجلي فلا ترى إلّا بروحك الذي له وحده بموجب صدوره عنك أن يراك فأنت إذن الذي ترى نفسك .
الآن رجعت إليك متحررا من أوهامى .
هامش
( 1 ) سورة النمل : الآية ( 88 ) .
( 2 ) سورة الأعراف : الآية ( 143 ) .
( 3 ) سورة الأعراف : الآية ( 143 ) .
( 4 ) سورة الأعراف : الآية ( 143 ) .
( 5 ) سورة الأعراف : الآية ( 143 ) .