تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 79

مساهمون:

ص٧٩
بياضها التألق فم حبيبته عندما يفتر عن ابتسامة صافية . هل يستطيع واحد من الشعراء أن يبدع صورة فنية أجمل من هذه وحتى إن ترجمت هذه الصورة إلى لغة أخرى غير العربية وفقد جمالها الصوتي فإنها ستظل تحتفظ بحسنها المرئى المشهود والقادر على النفاذ إلى وجدان الإنسان أيا كان لسانه . ربما يتفكر الإنسان بعدها في أن « الحب » هو أهم محرك للإنسان بل لقد جعله الشاعر هو الحياة نفسها في جوهرها إذ اتخذ منه نظيرا للموت فعند ما أحدق الموت به تذكر حبيبته . عندما أحدق الموت بمحمد صلّى اللّه عليه وسلم في غزوة « حنين » تذكر أنه النبي فأنشد بوجدانه العربي الصميم « أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب » وعندما أحدق الموت بعنترة تذكر حبه وتراءى له وجه حبيبته على مرآة السيوف اللامعة وهي تقطر من دمه . يا لها من صورة بديعة يأخذ جمالها بالقلوب هذه الصورة الفنية التي حملها البيتان أضاءت لنا نفس الشاعر وكشفت لنا عن جانب من حياة العرب قبل الإسلام حيث الحروب الطاحنة بين القبائل وتمجيد الشجاعة والمهارة في القتال وسمو قدر الخيل والسيف وأدوات الحرب وهكذا يمكننا أن نرى بالإضافة إلى نفس الشاعر - المجتمع الذي يعيش فيه ولكن هل يمكن أن تثير العقل وتكشف له عن حقائق الكون المشهود هل يمكن أن تقدم إليه معلومات جديدة وتحثه على التفكر في قضايا علمية . من المؤكد أن الإجابة لا . أما صور القرآن الفنية وأساليبه البلاغية فإنها تفعل كل هذا باقتدار معجز ولنأخذ عنصرا واحدا من عناصر البيئة العربية التي شهدت مولد القرآن وكيف استخدمه القرآن في تكوين صور فنية بديعة ولكنها قادرة على إثراء العقل بالإضافة إلى إثارة الوجدان وهي تعطى العلم وتدعو للفكر بقدر ما تبوح بسر الجمال وليكن هذا العنصر هو « الجبال » التي كان العرب يعيشون عند سفوحها وبين أحضانها يرونها في الحل والترحال يجلسون في ظلالها يحتمون بها من قيظ اليوم شديد الحر ويتطلعون بعيون مندهشة إلى سيول الماء وهي تجرى على أجسادها العظيمة تشق الطريق إلى الأرض العطشى في أوقات المطر ويرمقونها في جلال وهي تقف شامخة ثابتة على مر الزمان تطرق صامتة إلى الأرض وعيون الليل شاخصة في السماء تنظر إليها وهي ترتدى ثياب الظلام لتختفى حتى تأتى الشمس من الشرق فتخرج الجبال من الخفاء لتقف في نفس المكان طوال اليوم . لا شك أن الجبال جسمت في وجدان العربي معنى الثبات والصمت والشموخ فهو يراها واقفة في مكانها لا تتحرك بينما هو ينتقل مع أغنامه من بقعة إلى أخرى أو مسافرا مع القوافل إلى اليمن أو الشام والجبال ثابتة على الطريق لا تغير مكانها قيد أنملة . وهي باقية لا يعتريها التغيير يشيخ الإنسان ويموت وتختفى الكائنات وتذوب في الفراغ كأنها لم تكن بينما الجبال صامدة على مر الزمان باقية لا تموت ولا تشيخ ولا يعتريها