( 6 ) نماذج من الإبداع القرآني
إن المثل السابق يوضح بأبلغ بيان كيف يستعمل القرآن الأساليب البلاغية المعروفة وكيف يرفع مستواها إلى ذروة شاهقة لا يستطيع كلام مخلوق أن يرفع إليها بصره . لقد احتوى المثل على تشبيهين :
الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ
يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ
.
والتشبيه من أساليب البلاغة التي استعملها العرب ولكن التشبيهين المذكورين يشيران إلى معان علمية عميقة ويثيران « العقل » بقدر ما يمتعان « الوجدان » بما يفيضان من جمال . لقد استعمل القرآن أساليب البشر البلاغية ولكن ليعبر عن معرفة إلهية فكان لا بدّ أن يسمو بهذه الأساليب إلى مستوى لم تعرفه اللغة العربية من قبل ولا من بعد على الرغم من بساطته المذهلة .
ولمزيد من البيان نقول : إن الشاعر العربي الموهوب يستعمل الأساليب البلاغية والصور الفنية التي تبدعها قريحته الغنية من أجل غاية واحدة هي تجسيم مشاعره وتجربته الإنسانية الذاتية العميقة في صورة صوتية مرسومة بالألفاظ تجعلها قريبة من « قلب » المتلقى تنفذ إليه عبر « الوجدان » فتفضى إليه « بسر » الجمال وربما أثارت في عقله بعض التأملات الفلسفية التي تتناول مغزى الحياة وسر الوجود لكن دون أن تهدف إلى أن تضيف إليه معلومات جديدة أو أن تثير عقله لاكتشاف حقائق علمية مجهولة وهنا بالضبط تتجلى عظمة الأساليب البلاغية القرآنية لأن القرآن - كما قلنا - ثروة لغوية وعلمية أو بتعبير آخر هو ثورة في المعرفة والتعبير . قال الشاعر الموهوب « عنترة » :
ولقد ذكرتك والرماح نواهل * منى وبيض الهند تقطر من دمى
فوددت تقبيل السيوف لأنها * لمعت كبارق ثغرك المبتسم
هذان بيتان من الشعر يحتويان على صورة فنية رائعة لم تزل حية يتذوقها الإنسان ويتمتع بجمالها الذي لم يذهب بعد ما يزيد عن الألف وأربعمائة عام . يصور فيهما الشاعر عمق حبه وتعلق قلبه بمحبوبته الفاتنة التي تذكرها حين أحاطت به الأعداء وصارت رماحهم تناوشه والسيوف البيضاء البتارة المصنوعة في الهند تطعنه ويسيل عليها دمه وصار الموت أقرب من كل شئ يحيط به من كل جانب حينئذ . وهو يحدق في مغزى حياته التي أوشكت أن تنصرم بضربة سيف أو طعنة رمح تراءى له وجه حبيبته قريبا منه حتى أنه أوشك أن يهوى على السيوف التي تقطر من دمه يهوى عليها بالقبل إذ كان يرى في