والعقل هو الإمساك بمعنى الكلام بحفظ نصه ومعرفة المقصود منه ومعرفة المقصود هي الفقه والآية دليل على أن الوصول إلى معاني القرآن يتطلب علما راسخا فلا يعقل أمثاله إلّا من يوصف بالعلم .
ولنأخذ نموذجا واحدا وهو المثل الذي ضربه « القرآن » لنفسه ليبين كيف نوّر اللّه به السماوات والأرض في نزوله القديم من اللوح المحفوظ والدنيا تتهيأ لبدء يومها .
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
« 1 »
اللّه هو الذي أنار السماوات والأرض يعنى جعلهن مرئيات مدركات بالأبصار بعد أن كن غارقات في الظلام فصيرهن مشهودات بعد أن كنّ غائبات .
والسؤال كيف تحقق هذا وكيف تسنى لنا أن نرى السماوات والأرض بعد أن كن مستورات في الظلمة ؟ ! لا شئ يشبه اللّه في أسمائه وأقواله وأفعاله .
إذن لا بدّ من مثل يوضح ما وقع لعلنا نتفكر ثم نتذكر فقال مفسرا بمثال :
مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ
« 2 »
يعنى حال نوره عندما أنار السماوات والأرض تشبه حال فراغ مظلم أو فضاء معتم أنزل فيه مصباح أو وضع فيه سراج والمشكاة هي التجويف المظلم الذي يصنع في الجدار ليوضع فيه المصباح أثناء الليل .
يشبّه اللّه حال السماوات والأرض أثناء ظلمة الغيب بتلك المشكاة المعتمة التي تحفر في الجدار وقد أنزل فيهن مصباح كما يوضع السراج في التجويف المظلم ( - المشكاة ) والمصباح هنا هو محمد صلّى اللّه عليه وسلم النبي الأمى وهو يتنزل من سماء إلى سماء حتى وصل إلى السماء الدنيا يسوق الخلائق على الصراط القائم الممتد من جنات عدن حيث كانوا في السماوات إلى الأرض ليبدءوا حياة الابتلاء وقد أعطى حينئذ الرسالة بنزول « القرآن » عليه ليبلغ كل الخلائق كلام اللّه وهو ما أشار إليه بقوله :
الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ
« 3 »
يعنى قد وضع ذلك المصباح المنير في زجاجة ليتألق نوره ويفيض على ما حوله كما يحاط المصباح الموضوع في المشكاة بوعاء زجاجى ليحفظ الفتيل المشتعل من فعل الريح التي تحاول إطفاءه .
والزجاجة هنا تشير إلى « الرسالة » التي أعطيت للمصباح الذي هو النبي صلّى اللّه عليه وسلم فكانت بمثابة رداء لبسه القلب الشريف ففاض بالنور كما يفيض السراج الموضوع في
هامش
( 1 ) سورة النور الآية ( 35 ) .
( 2 ) سورة النور الآية ( 35 ) .
( 3 ) سورة النور الآية ( 35 ) .