مشئومة ولكن لا تقتلوه عسى أن يراجع نفسه ويعود إلىّ حبيبا عاشقا .
لقد أفزعها أن ينتوى سيدها قتل عشيقها فأخذت توجه عقل زوجها في الطريق الذي يبقى على « يوسف » .
ولنتأمل الآن كيف أوجزت هذه الآية القصيرة المشهد الرائع في كلمات قليلة وتصوير حي يجسم المشاعر الفوارة في القلوب في حركات جسمية معبرة وكيف عبرت عن رغبة المرأة الجامحة دون أن تخدش حياء القارئ أو تثير غرائزه أو تهين المرأة نفسها وكيف أظهرت لنا قدرة المرأة على التلون والكذب المقنع الذي يستثير عواطف الرجل .
لقد اضطررنا لكي نفهم الآية أن نكتب كل هذه الكلمات وبالطبع يستطيع غيرنا أن يستنبط الكثير من هذا النص المعجز . إن أعظم الأدباء لا يستطيع أن يعبر في هذه الكلمات القليلة عن عشر المعاني التي ترد إلى القلب بالتأمل في الآية .
ولنتأمل كم من المال والوقت والأدوات والجهد البشرى يمكن لأعظم مخرج سينمائى أن يستهلكه لكي يصور هذا المشهد الذي أخرجته الآية على هذا النحو البديع .
إن كل امرأة يمكن أن ترى نفسها في امرأة العزيز وكل شاب بوسعه أن يجد في تجربة « يوسف » تجسيما لمعاناته وكل أب مكلوم بفقد ابنه المحبوب يتوحد مع يعقوب وهكذا يجد الإنسان نفسه في كل أوضاعه وحالاته في شخصيات هذه الرواية المعجزة ومن ثم فإنه يقبل عليها وهي تتلى مستمعا منصتا وتيار حياته الشخصية يمر أمامه واضحا جليا في نور الوحي فيمكنه حينئذ وهو في موقف المشاهد الحر الذي ارتفع فوق مستوى وضعه الشخصي وظروف معيشته الضيقة أن يتأمل وجوده ويتخذ العبرة التي تروق له وهذا هو الهدف البعيد الذي يسعى كل الأدب العظيم لبلوغه .
ويتباهى القرآن بأمثاله التي ضربها للناس توضيحا للحقائق الغيبية والعقلية بتجسيمها في صور محسوسة تجعلها في متناول العقل وتحثهم على التفكر وتدعوهم إلى التذكر .
يقول :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
( 21 ) « 1 »
والتفكر هو الاستدلال بالمشهود على الغائب يعنى الصعود على الدليل بواسطة العقل من الشواهد إلى الحقائق وفي الدين من الصور إلى المصور ، ومن المخلوقات إلى الخالق . ويقول :
وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ
( 25 ) « 2 »
والتذكر هو الخلاص من النسيان فيكون المثل المضروب وسيلة للرجوع من المسموع المعلوم إلى المنسى المجهول المدفون في باطن القلوب من كلام اللّه القديم . ويقول :
وَتِلْكَ الْأَمْثالُ نَضْرِبُها لِلنَّاسِ وَما يَعْقِلُها إِلَّا الْعالِمُونَ
( 43 ) « 3 »
هامش
( 1 ) سورة الحشر الآية ( 21 ) .
( 2 ) سورة إبراهيم الآية ( 25 ) .
( 3 ) سورة العنكبوت الآية ( 43 ) .