تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
ومن ثم فإن الأديب باعتبار أنه الفنان الذي يستخدم الكلمات ( كخامة ) يصنع منها كائناته يقوم بانتقاء التجارب واللحظات الكاشفة عن جوهر الشخصية الإنسانية فيصور لنا الحالات التي يشتبك فيها الإنسان في صراع يضيء مكنونات نفسه ويظهر بواطنها فيتعرف الإنسان على نفسه . والقاص الموهوب هو الذي يتمكن بصدقه ومهارته من أن يجعلنا نرى أنفسنا في شخصيات قصته فنعايشها بالقراءة كما لو كنا نحن أبطالها إذ أننا نعانى نفس الآلام التي تعانيها الشخصيات « الفنية » وتحتاج نفوسنا نفس الأهواء وتمر على عقولنا خواطر مماثلة ومن ثم فإننا نندمج ونتوحد مع النص المقروء ونريد أن نعرف ما ذا سيكون مصير « الشخصية » التي تتجلى أمامنا لأننا في الحقيقة نريد أن نعرف ما هو مصيرنا وما ذا تخبئ الأقدار لنا ؟ والفرق الجوهري بين القصة والرواية أي القصة الطويلة هو من وجهة نظري في امتداد الزمن وأثره على الشخصيات فإذا كانت القصة هي تتبع أثر الإنسان على طريق الزمن فإن الرواية تتتبع أيضا أثر الزمن على الإنسان وهو يمخر عباب بحره راكبا سفينة تجاربه . هذا الشعور بتيار الزمن وأثره في تغيير مكونات الشخصية الإنسانية وملامحها هو الخاصة المميزة للرواية ( القصة الطويلة ) لأننا فيها يجب أن نرى شخصيات تتطور وتتغير ملامحها الظاهرة والباطنة . في ضوء هذه المقدمة نستطيع أن نقول إن سورة يوسف قد احتوت على « رواية » هائلة لم يسبقها مثيل ولم يلحقها شبيه بعد كل ما ألّفه البشر من قصص وروايات فإذا اعتبرنا أن كل آية هي جملة فإننا نستطيع أن نقول إنه في تسع وتسعين جملة هي مجموع الآيات التي تناولت أخبار يوسف في السورة وفيما لا يزيد تقريبا عن عشر صفحات مكتوبة بخط مخصوص يستغرق مساحة أكبر من الصفحة ( . . . . . . ) في هذا الحيز الضيق المحدود الذي لا يستطيع واحد من كبار الأدباء أصحاب المواهب النادرة إلا أن يكتب قصة قصيرة ( . . . . . . ) في هذا الحيز استطاع القرآن أن ينشئ رواية تناولت عددا كبيرا من الشخصيات المحورية ، « يوسف » نفسه وأبوه يعقوب وامرأة العزيز وزوجها والملك وطباخه وساقيه بالإضافة إلى الشخصيات الهامشية التي تلعب أدوارا هامة لا يمكن الاستغناء عنها في بناء الرواية مثل إخوة يوسف الأحد عشر كوكبا والرجل الحكيم من أهل امرأة العزيز الذي أظهر براءة يوسف من الزنا وحاشية الملك والموظفين والعمال والخدم الذين كانوا تحت إدارة يوسف بعد أن صار العزيز الأول في السلطة ونساء القصر وعلية القوم اللاتي تكلمن في عرض المرأة المفتونة بحسن يوسف ورجال القافلة العرب الذين أنقذوا يوسف من البئر والباعة والمشترين في سوق العبيد ورجال القوافل التجارية التي كانت تواصل الترحال بين مصر والشام . لقد اشتبكت هذه الشخصيات وتضافرت في بناء رواية متعددة المستويات تكشف عن كل أشكال الصراع الإنسانى في هذه الدنيا إذ بينت صراع الغيرة بين الإخوة أبناء الرجل الواحد والتنافس بين أبناء الضرتين وصراع المرأة العاشقة بين الحب الجارف الذي يدمر في طريقه كل شئ وحواجز الشريعة والعرف ، الصراع الأبدي بين الهوى والواجب .
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 71 | توحيد عبد الفتاح الزهيري