تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
هاهنا بالضبط يوجه « القرآن » ضربته القاضية على ذلك الزعم إذ يتجلى لقارئه تجاوزه للعصر الذي شهد تنزيله . إن المجالات التي تناولتها الآيات والقضايا التي بحثها القرآن بعمق بل والأساليب التي عرض بها مضمونه تتجاوز العصر الجاهلي دون أدنى شك . من الضروري بالطبع أن نجد صورة العصر الجاهلي مرسومة على مرآة السور لأن القرآن رسالة توجهت إلى ذلك المجتمع ولكن النص القرآني يتجاوز العصر الذي نزل فيه بكل وضوح . لقد كان القرآن ثورة هائلة في التعبير باللغة العربية ولم يكن بأي حال من الأحوال استجابة إبداعية للعصر الجاهلي فهل يمكن لكاتب في القرن السابع الميلادي أن يتحدث عن مراحل تكوين الإنسان جنينا داخل الرحم وفي نفس النص يتحدث عن جريان النجوم والكواكب بل ويعتبر في لمحة علمية جمالية باهرة أن الكون بمثابة بحر هائل وأن النجوم والكواكب والقمر والشمس تشبه سفنا تمخر عبابه . بل ويلوّح إلى اتساع الكون المتواصل إذ يقول :
وَالسَّماءَ بَنَيْناها بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ
( 47 ) « 1 » . من المستحيل على إنسان عاش في القرن السابع الميلادي أن تخطر هذه الفكرة على عقله وأن يلمح إليها لشعب يناصبه العداء ولن يفهمها أبدا . إننا لا نتحدث عن صحة أو خطأ هذه الفكرة بل عن حاجة العصر الجاهلي إليها وعن قدرته على فهمها وعن المشكلة العلمية التي كانت مثارة حينذاك وجاءت هذه الآية لتعطى « رأى » « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم فيها ! فما بالك عندما يتأكد النصف الثاني من القرن العشرين من صحتها وسلامتها العلمية من الخطأ ؟ ! إذ يتفق كل علماء الفلك على أن الكون يتمدد . وكيف يتأتى لرجل عاش في الصحراء تحيط به الجبال وتحاصر عينيه الرمال في كل الجهات كيف يتسنى له في لمحة « شاعرية » أن يتصور الكون محيطا هائلا من الماء وأن النجوم والكواكب تسبح فيها
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
( 40 ) « 2 » . إننا نركز الانتباه هنا على التعبير « الفنى » باعتباره نصا أدبيا ناظرين إلى الصورة البلاغية لا إلى الحقيقة العلمية . وكيف يتسنى لرجل لم يركب البحر في حياته ولا مرة
هامش
( 1 ) سورة الذاريات الآية ( 47 ) . ( 2 ) سورة يس الآية ( 40 ) .
القرآن معجزة كل العصور — صفحة 64 | توحيد عبد الفتاح الزهيري