بمحض الاختيار « فيشعر » أن عمل المخلوق ليس إلا « رسما » مشهودا لعمل الخالق وأن للّه الحجة البالغة .
إن الحوار القرآني هو المثل الأعلى الذي ينبغي لكتاب « الدراما » أو فن التعبير عن الصراع الإنسانى أن يتطلعوا إليه بعيون متفحصة ليأخذوا من إبداعه الدروس ولنضرب مثلين قصيرين يفيان بالمقصود مراعاة لضيق المقام .
لدينا أولا حوار « نوح » الرسول عليه الصلاة والسلام مع ابنه وقد بدأ الطوفان ينهمر وصار الهلاك محتوما ولا نجاة لأحد إلا بالركوب في السفينة .
فلنقرأ هذا المشهد لنرى ونسمع ما وقع منذ آلاف السنين كأنما يتحقق أمامنا الآن .
وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبالِ وَنادى نُوحٌ ابْنَهُ وَكانَ فِي مَعْزِلٍ يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ ( 42 ) قالَ سَآوِي إِلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْماءِ قالَ لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ
( 43 ) « 1 »
إن ابن نوح كان يلتزم الصمت تجاه أبيه ولا يعلن عن رأيه في رسالته بل يتحاشاه ويتجنب لقاءه ومواجهته هذا ما تفيده جملة :
وَكانَ فِي مَعْزِلٍ
جاء الطوفان « ونوح » الأب الرحيم يتمنى من كل قلبه أن ينقذ من كان يظن أنه ابنه حينئذ صرخ نوح بأعلى صوته :
يا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكافِرِينَ
( 42 )
قال « مع » ولم يقل « من » لأنه كان يظن أنه من المؤمنين فكأنه قال أنت مؤمن فيجب أن تصحب المؤمنين في السفينة ولا تبقى مع الكافرين الذين سيغرقون لا محالة .
وجاء الرد صدمة مذهلة وضربة قاضية للأمل في النجاة .
لقد أفصح الابن عن الكفر في اللحظة التي صار فيها هلاك الكافر حتما مقضيا هاهنا الصراع بين الأب الذي يحب النجاة والسعادة لابنه الوحيد وبين الرسول الذي يجب أن يرضى بحكم الشريعة الإلهية حتى وإن أدان أقرب الناس إلى قلبه وكان لا بدّ للأب في هذا الموقف العصيب أن يعلو صوته محاولا أن ينتشل ابنه الوحيد في اللحظة الأخيرة .
قال :
لا عاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ
.
إن الابن لا يرى في الطوفان إلّا سيلا من الماء يمكن الفرار من بطشه باللجوء إلى جبل عال أما النبي الرسول فيرى في هذا الماء عذاب اللّه النازل بغضبه على أهل الأرض ولا نجاة
هامش
( 1 ) سورة هود الآية ( 42 - 43 ) .