واحدة كيف يتسنى له أن يتحدث عن البحر وركوب السفن ومشاعر الناس حين يحسون بالغرق والأمواج تحيط بهم من كل جانب بهذه الكثرة اللافتة في آيات القرآن .
بل يتحدث عن ظلمة أعماق البحار ويستخدمها في إقامة تشبيه بين حال الكافر وحال الغائص في ظلمة البحر عاجزا عن الرؤية .
أَوْ كَظُلُماتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ إِذا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَراها وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ
( 40 ) « 1 »
إن هذه الأمثلة تؤكد لنا أن الثورة القرآنية كانت ثورة علمية إذ يبدو للقارئ المنصف القرآن كينبوع عميق من المعرفة انفجر على حين فجأة وعلى غير توقع ودون أن تمهد له أية إرهاصات انفجر في ظلمة القرن السابع الميلادي في شعب أمي لا يقرأ ولا يكتب في قلب نبي أمي لم يتلق أي تعليم بشرى منتظم انفجر نورا باهرا كاشفا عن كنز عظيم لم يزل الإنسان ينهل من فيضه الكريم منذ ما يقرب من ألف وأربعمائة عام وإلى أن ينتهى الزمان الذي سيفنى ولن تفنى عجائب القرآن .
وكانت الثورة القرآنية ثورة فنية أيضا إذ ارتفع مستوى الأداء الفنى المعبر عن ذلك البحر العميق من العلم إلى ذروة لا يبلغها إنسان وتتمثل هذه الثورة الفنية في استحداث أساليب للتعبير باللغة العربية لم يعرفها العرب وفي رفع مستوى الأساليب التي عرفوها إلى مستوى لا يبلغه بشر .
فأما الوجه الأول التمثيل في استحداث الأساليب فأول ما يلفت الانتباه من ملامحه هو أسلوب الحوار .
إن القرآن يعد بحق مدرسة عليا يتعلم فيها الأدباء فن صياغة الحوار بين الشخصيات . إنه كتاب الحوارات الرفيعة نسمع فيه محاورات بين اللّه والشيطان وبين الشيطان والإنسان وبين الإنسان وخالقه كحوار اللّه مع آدم وحواره مع سائر الأنبياء ونستمع فيه أيضا إلى المجادلات العنيفة بين الأنبياء وخصومهم والأب وابنه بل ننصت فيه إلى تخاصم أهل النار .
وفي الحوار القرآني نلمس الخصائص النفسية المميزة للشخصيات بحيث تبدو الكلمات كأنها مرآة مصقولة تتجلى عليها بواطن النفوس في أوضح صورة وتتدرج الجمل الحوارية في ترتيب تصاعدى يعبر عن ارتفاع الصراع بين الطرفين المشتبكين في الجدال إلى نقطة الذروة التي ينقطع عندها الكلام وينفجر الفعل المعبر عن جوهر الإرادة الإلهية التي تلبس رداء الحرية الإنسانية في مشهد يضع المستمع المنصت أمام « سر » القدر وجها لوجه يطالع فيه « يد » اللّه وهي تسوق مصائر البشر إلى نهايتها المحتومة دون قهر أو إجبار بل
هامش
( 1 ) سورة النور الآية ( 40 ) .