تخطي إلى المحتوى الرئيسي

القرآن معجزة كل العصور — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً
( 82 ) « 1 » . وليس المعنى المقصود أن القرآن يحتوى على اختلاف قليل بل هو كائن حي متجانس الأجزاء متكامل لا يتناقض مع نفسه بل ينير بعضه بعضا بدليل أننا إذا أردنا أن نستجلى معنى آية أو لفظ أو حرف كما بينا في الأمثلة السابقة نجد أنه من الضروري أن نستحضر آيات كثيرة أخرى تترابط مع بعضها وتتضافر لتكوين صورة رائعة . ولكن هذا يتطلب احتراما عميقا للنص القرآني وتأملا طويلا فيه وهو المعبر عنه بالتدبر . إن « القرآن » حقا كريم يفيض بالمعاني ويكشف عن أسراره ولطائفه ويظهر بدائع الروابط الظاهرة والباطنة بمجرد أن يمس في قلب قارئه روح الإخلاص بل إنه يفتح الغيب ويجعل المحجوب مشهودا .
وَما هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ
( 24 ) « 2 » . ولكن المقصود من الآية أنه لو حاول مخلوق أن يعبر عن المعرفة الواسعة العميقة التي يحتويها القرآن والتي تندرج تحت علوم لا يحصرها حد فإنه لا بدّ أن يخطئ كثيرا وأن يتناقض مع بعضه وأن يختلف أسلوبه من مجال إلى آخر أما القرآن فإنه يظل محتفظا بثباته محافظا على جماله وقوته سالما من أي خطأ رغم أنه تنزل على « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم في ظروف تحتم الاختلاف . والمفترض طبقا للزعم القائل أن القرآن هو ثمرة تأملات « محمد » صلّى اللّه عليه وسلم كبشر في الحياة فلا بد بالتالي أن يكون « النص القرآني » ابنا شرعيا للمجتمع العربي الجاهلي في مكة والمدينة حيث نرى فيه الشعب الذي سكن الجزيرة العربية في القرن السادس الميلادي بأفكاره وعاداته ومشكلاته وصراعاته والحلول التي يقترحها مؤلفه لأن « النص الأدبي » مولود طبيعي للمجتمع الذي ولد فيه وأعتقد أن هذه هي الغاية التي كان يسعى إليها من تشككوا في الشعر الجاهلي وادعوا أن كله منحول في أزمان لا حقة لأنه في هذه الحالة لن يصبح أمامنا لمعرفة المجتمع الجاهلي إلّا النص القرآني ولا يمكن مقارنة القرآن بشيء معاصر له يبين لنا في نور المقارنة سمو القرآن عن الزمان والمكان الذي ولد فيه .
هامش
( 1 ) سورة النساء الآية ( 82 ) . ( 2 ) سورة التكوير الآية ( 24 ) .